أسعار الغذاء العالمية تقفز في أغسطس إلى أعلى مستوى منذ أواخر 2022
واشنطن- أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) اليوم الجمعة أن مؤشر أسعار الغذاء العالمية سجل ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهر أغسطس، ليصل إلى متوسط 133.3 نقطة، بزيادة قدرها 2.5 نقطة أو 1.9% مقارنة بمستواه المعدل في يوليو.
ويُعد هذا الارتفاع الأوسع نطاقاً منذ فترة، حيث شمل جميع فئات السلع الرئيسية، ويقرب المؤشر من أعلى مستوياته منذ أواخر عام 2022، رغم أنه لا يزال أقل بنسبة 16.8% عن الذروة التاريخية المسجلة في مارس 2022 عقب اندلاع الأزمة الأوكرانية. كما جاء المؤشر أعلى بنسبة 2.5% مقارنة بمستواه في أغسطس 2025.
يأتي هذا الارتفاع في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن استقرار الأسواق الغذائية العالمية، مدفوعة بتضافر عوامل مناخية وجيوسياسية ولوجستية. وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في الفاو، إن زيادة أغسطس تمثل تحذيراً من عودة "علاوة المخاطر" إلى أسواق الغذاء، حيث تلتقي الصدمات المناخية مع التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، مما يشدد التوقعات بشأن المعروض. وأكد أن المرونة والانفتاح التجاري وضمان تدفق المدخلات أصبحت الآن عوامل محورية لاستقرار أسعار الغذاء العالمية.
وتصدرت أسعار السكر قائمة الارتفاعات، إذ قفز مؤشرها بنسبة 11.9% ليصل إلى 106.4 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ يونيو 2025. ويعود هذا الارتفاع الحاد بشكل أساسي إلى مخاوف متزايدة بشأن آفاق العرض العالمي في موسم 2026/2027.
وأدت موجات الحر والجفاف المستمر إلى مراجعة توقعات غلة بنجر السكر في الاتحاد الأوروبي نحو الانخفاض، في وقت كان يتوقع فيه أصلاً تراجع المساحات المزروعة. كما ساهمت ظروف الطقس المرتبطة بظاهرة النينيو في التأثير سلباً على آفاق الإنتاج في الدول الآسيوية الرئيسية المنتجة، إلى جانب انخفاض الإنتاج في منطقة الوسط والجنوب البرازيلية، وإعلان الهند عن فتح باب استيراد السكر الخام معفاة من الرسوم الجمركية.
أما مؤشر أسعار الحبوب فقد ارتفع بنسبة 2.2% ليصل إلى 116.3 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ مايو 2024. وشهدت أسعار جميع الحبوب الرئيسية زيادات، مدعومة بالطلب القوي والمخاوف المتعلقة بالطقس حول آفاق المحاصيل في المناطق المنتجة الرئيسية، واستمرار حالة عدم اليقين المحيطة بتدفقات الصادرات عبر البحر الأسود.
على صعيد الزيوت النباتية، ارتفع المؤشر بنسبة 0.6% ليصل إلى 196.9 نقطة، مسجلاً ثالث زيادة شهرية متتالية وأعلى مستوى منذ يونيو 2022. وجاء الارتفاع مدفوعاً بزيادة أسعار زيت النخيل وزيت الصويا، التي عوضت أكثر من انخفاض أسعار زيت دوار الشمس وزيت اللفت. واستمرت أسعار زيت النخيل في الصعود مدعومة بالطلب العالمي القوي على الواردات والمخاوف من تأثير النينيو على الإنتاج في جنوب شرق آسيا. أما أسعار زيت الصويا من المنشأ الجنوب أميركي فبقيت قوية بفضل الطلب التصديري، رغم بعض الضغوط في السوق الأمريكية بسبب حالة عدم اليقين حول سياسات الوقود الحيوي.
وفيما يتعلق باللحوم، ارتفع المؤشر بنسبة 1.0% ليصل إلى 127.9 نقطة، مقترباً من مستواه قبل عام. وساهمت زيادات في أسعار لحوم الدواجن والخنازير والأغنام في هذا الارتفاع، بينما انخفضت أسعار لحوم الأبقار. وارتفعت أسعار الدواجن بفضل انتعاش أسعار الصادرات البرازيلية وسط طلب عالمي قوي، فيما قفزت أسعار لحوم الخنازير بسبب ارتفاع الأسعار في الاتحاد الأوروبي حيث أبطأت درجات الحرارة المرتفعة نمو الحيوانات وقللت من توافر الخنازير الجاهزة للذبح. أما أسعار لحوم الأغنام فارتفعت مدعومة بمحدودية المعروض التصديري من نيوزيلندا والطلب القوي. في المقابل، ضغطت المنافسة الشديدة بين المصدرين البرازيليين والأستراليين على أسعار لحوم الأبقار بسبب اقتراب استنفاد حصص الاستيراد الصينية.
وشهد مؤشر أسعار الألبان ارتفاعاً بنسبة 2.3% ليصل إلى 119.2 نقطة، مسجلاً أول زيادة له في أربعة أشهر، رغم أنه لا يزال أقل بنسبة 21.7% عن مستواه قبل عام. وجاء الارتفاع مدفوعاً بزيادة أسعار مساحيق الحليب والجبن، بينما استقرت أسعار الزبدة تقريباً. وارتفعت أسعار مسحوق الحليب منزوع الدسم والكامل بنسبة 3.0% و2.4% على التوالي، بفضل الأسعار الأقوى في الاتحاد الأوروبي وسط تشديد إمدادات الحليب بسبب الحر والجفاف، في مقابل الضغوط الموسمية في أوقيانوسيا. كما ارتفعت أسعار الجبن بنسبة 2.7%.
تعكس هذه التطورات صورة أوسع لضغوط متزايدة على النظام الغذائي العالمي. فإلى جانب العوامل المناخية المتمثلة في موجات الحر والجفاف وظاهرة النينيو، تلعب التوترات الجيوسياسية دوراً محورياً، خاصة الاضطرابات في البحر الأسود وإغلاق مضيق هرمز الذي أثر على إمدادات المدخلات الزراعية. وتأتي هذه الارتفاعات في وقت تتوقع فيه الفاو انخفاضاً في الإنتاج العالمي من الحبوب لعام 2026 إلى 2980 مليون طن، بانخفاض 2% عن العام السابق، رغم أنه يظل ثاني أعلى مستوى تاريخي. ويُتوقع انخفاض إنتاج الذرة والقمح والأرز مقارنة بالمستويات القياسية السابقة، مما يضيف طبقة إضافية من الحذر إلى الأسواق.
وارتفعت أسعار القمح العالمية بنسبة 2.6% مقارنة بيوليو، لتسجل مستوى أعلى بنسبة 15% عن العام السابق، نتيجة الاضطرابات المستمرة في الخدمات اللوجستية للصادرات عبر البحر الأسود، وتراجع آفاق الإنتاج في أجزاء واسعة من أوروبا بسبب الحر والجفاف، وضعف الدولار الأميركي الذي عزز تنافسية الصادرات المقومة به. كما ارتفعت أسعار الذرة بنسبة 2.5% بسبب مخاوف بشأن الغلة في حزام الذرة الأميركي، وتدهور الآفاق في الاتحاد الأوروبي، والطلب القوي من قطاعي الإيثانول والأعلاف، بالإضافة إلى اضطرابات في إمدادات المدخلات بعد إغلاق مضيق هرمز وتأثيرها على صادرات أوكرانيا.
وشهدت أسعار الذرة الرفيعة والشعير زيادات أيضاً، بينما ارتفع مؤشر أسعار الأرز بنسبة طفيفة بلغت 0.5% بدعم من المشتريات المستمرة من الدول الآسيوية والأفريقية وتوقعات بتشديد المعروض.
ويشير الارتفاع الواسع النطاق إلى أن الأسواق لم تعد تعتمد فقط على أساسيات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت أكثر حساسية للمخاطر المتعددة الأبعاد. ففي السنوات التي تلت ذروة 2022، شهدت الأسعار تصحيحاً تدريجياً بفضل تحسن الإمدادات وتراجع بعض التوترات، لكن عودة الضغوط المناخية والجيوسياسية تهدد بإعادة إشعال موجة تضخم غذائي، خاصة في الدول المستوردة الصافية التي تعتمد على الأسواق الدولية.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة فاتورة الواردات الغذائية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في المناطق الأكثر هشاشة، ورفع معدلات التضخم في الدول النامية حيث تشكل الأغذية نسبة كبيرة من سلة الاستهلاك.