الوساطة.. مصلحة أمنية واقتصادية قطرية

الدوحة تتحول من وسيط يحاول مساعدة الآخرين إلى طرف لديه مصلحة مباشرة في إنهاء الأزمة.
الثلاثاء 2026/09/01
وساطة تختلف عن جولات سابقة

الدوحة- تجد قطر نفسها مجدداً في قلب واحدة من أصعب الأزمات الإقليمية، بعدما أعاد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران الدوحة إلى موقع الوسيط بين طرفين يصعب جمعهما على طاولة واحدة.

لكن الوساطة القطرية هذه المرة تختلف عن جولات سابقة. فالأمر لا يتعلق فقط بمحاولة وقف القتال، وإنما بأزمة تهدد بصورة مباشرة أمن الخليج والملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، وهي ملفات تمس قطر نفسها ومصالحها الاستراتيجية.

وتحاول الدوحة استثمار قنواتها المفتوحة مع طهران وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن للدفع باتجاه تهدئة تمنع تحول المواجهة إلى حرب شاملة.

وتملك قطر وضعاً نادراً في المنطقة. فهي حليف أمني رئيسي للولايات المتحدة، وتستضيف قاعدة العديد، إحدى أهم المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه حافظت على علاقات سياسية ودبلوماسية مع إيران، ونجحت خلال السنوات الماضية في بناء قناة اتصال مع طهران.

هذه التركيبة منحت الدوحة ميزة لا تملكها كثير من العواصم الخليجية.

أقصى ما يمكن أن تحققه الوساطة القطرية في المرحلة الأولى قد لا يكون اتفاق سلام شاملاً، وإنما منع التصعيد من التحول إلى حرب مفتوحة

فحين تنقطع الاتصالات المباشرة أو تصبح القنوات الرسمية بين واشنطن وطهران شديدة الحساسية، يمكن لقطر أن تؤدي دور «خط الاتصال الخلفي»، حيث تنقل الرسائل وتختبر مواقف الطرفين من دون أن تتحول بالضرورة إلى طرف مباشر في النزاع.

لكن هذه الميزة أصبحت اليوم عبئاً أيضاً. فكلما ارتفع مستوى التصعيد، أصبح الحفاظ على التوازن أكثر صعوبة.

المشكلة الأكبر بالنسبة إلى الدوحة هي أن الحرب لم تعد بعيدة جغرافياً.

فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية، وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة ستكون له انعكاسات على الخليج بأكمله.

وقطر، باعتبارها أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار حركة التجارة البحرية.

ولهذا فإن نجاح الوساطة لم يعد بالنسبة إلى الدوحة مجرد إنجاز دبلوماسي يمكن أن يعزز نفوذها، وإنما أصبح مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة.

كل يوم إضافي من التوتر يعني ارتفاع المخاطر على حركة السفن، وتكاليف التأمين والنقل، والأسواق العالمية للطاقة.

وهنا تتحول قطر من وسيط يحاول مساعدة الآخرين إلى طرف لديه مصلحة مباشرة في إنهاء الأزمة.

وتأتي التحركات القطرية في وقت أبدت فيه طهران إشارات إلى استعدادها للعودة إلى المسار التفاوضي.

فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن بلاده ستتعامل بالمثل فوراً إذا عادت الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب الاتفاق المؤقت الذي جرى التوصل إليه في يونيو/حزيران.

وتبدو الصيغة الإيرانية مصممة لفتح نافذة تفاوض من دون تقديم تنازل أحادي. فطهران تريد من واشنطن أن تبدأ أولاً، سواء من خلال وقف الضربات أو تخفيف الضغوط الاقتصادية، قبل أن تقدم هي خطوات مقابلة.

◄ الدوحة ستسعى على الأرجح إلى دفع الطرفين نحو تفاهمات مرحلية قابلة للتنفيذ بدلاً من محاولة حل جميع الملفات دفعة واحدة

وهذا النوع من العروض يضع الوسطاء أمام مهمة شديدة التعقيد. فالمشكلة ليست في إيجاد صيغة للتهدئة، وإنما في تحديد من يقدم التنازل الأول، وما الذي سيحصل عليه في المقابل، وكيف يمكن ضمان عدم انهيار الاتفاق مجدداً.

تبقى الكلمة الأكثر أهمية في أي مسار تفاوضي لترامب. فالرئيس الأمريكي أبدى تشدداً تجاه الهجمات الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه ترك الباب مفتوحاً أمام عدم الانزلاق إلى حرب شاملة.

وهذه المساحة بين التصعيد والتهدئة هي التي تحاول قطر التحرك فيها.

وتحتاج الدوحة إلى إقناع طهران بأن عليها تقديم خطوات يمكن أن تجعل التفاوض ممكناً، وفي المقابل تحتاج إلى إقناع واشنطن بأن الضغط العسكري المستمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

لكن المهمة ليست سهلة. فترامب قد يرى في الضغط العسكري والاقتصادي وسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر، بينما تخشى طهران أن تستخدم الولايات المتحدة التفاوض للحصول على تنازلات متتالية من دون رفع العقوبات والضغوط.

وبين الموقفين تتحرك قطر.

نجاح الوساطة لم يعد بالنسبة إلى الدوحة مجرد إنجاز دبلوماسي يمكن أن يعزز نفوذها، وإنما أصبح مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة

الخطر الآخر هو أن تتحول الوساطة إلى لعبة طويلة لشراء الوقت. فطهران قد تكون مستعدة لفتح باب التفاوض، لكنها لن تكون بالضرورة مستعدة لتقديم اتفاق نهائي سريع.

وقد يؤدي فتح قنوات متعددة للوساطة إلى إغراق المفاوضات في التفاصيل: توقيت وقف الضربات، العقوبات، الملاحة، المنشآت العسكرية، آليات التحقق، وتسلسل تنفيذ الالتزامات. وهنا يمكن أن تجد الدوحة نفسها أمام مفاوضات مفتوحة النهاية.

بالنسبة إلى إيران، يمنح ذلك وقتاً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها. وبالنسبة إلى واشنطن، قد يعني إضاعة أثر الضغط العسكري. أما قطر، فإن إطالة الأزمة تعني استمرار المخاطر على الخليج والطاقة والملاحة.

لذلك ستسعى الدوحة على الأرجح إلى دفع الطرفين نحو تفاهمات مرحلية قابلة للتنفيذ بدلاً من محاولة حل جميع الملفات دفعة واحدة.

نجاح قطر في ملفات سابقة، من غزة إلى أفغانستان وغيرها، عزز صورتها كوسيط قادر على التواصل مع أطراف متعارضة. لكن الأزمة الإيرانية الأمريكية تمثل اختباراً مختلفاً.

فالطرفان هذه المرة يخوضان مواجهة عسكرية مباشرة، وكل منهما يريد الخروج من الأزمة من موقع أقوى. كما أن الملفات المطروحة أكثر تعقيداً من مجرد وقف إطلاق النار.

هناك العقوبات والبرنامج النووي والقدرات الصاروخية وأمن الملاحة والنفوذ الإقليمي، وهي قضايا تمس جوهر العلاقة بين البلدين.

ولذلك فإن أقصى ما يمكن أن تحققه الوساطة القطرية في المرحلة الأولى قد لا يكون اتفاق سلام شاملاً، وإنما منع التصعيد من التحول إلى حرب مفتوحة. وهذا في حد ذاته سيكون إنجازاً مهماً.