استطلاعات الرأي تثير النقاش في المغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية
الرباط- تجدد النقاش العمومي في المغرب حول استطلاعات الرأي ودورها، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026.
ويهتم المتابعون بمسألة توقيت إجراء هذه الاستطلاعات ونشر نتائجها، خاصة في الأسابيع الحساسة التي تسبق يوم الاقتراع وتزامناً مع الحملة الانتخابية الرسمية.
وتحددت الفترة الانتخابية الرسمية للحملة من منتصف أغسطس تقريباً حتى عشية يوم التصويت. وفي هذا الإطار، تخضع استطلاعات الرأي ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بالانتخابات لضوابط زمنية واضحة. يمنع إجراءها أو نشر نتائجها خلال المدة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق لانطلاق الحملة الانتخابية إلى غاية انتهاء عمليات التصويت.
ويهدف هذا التنظيم إلى ضمان أجواء هادئة تسمح للناخبين بتكوين آرائهم بعيداً عن أي مؤشرات رقمية قد تؤثر في توجهاتهم في اللحظات الأخيرة.
دخل القانون رقم 55.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، حيز التنفيذ بعد أن صادق عليه مجلس النواب في الأول من ديسمبر 2025. ويهدف القانون إلى تحديث الإطار القانوني المنظم للعمليات الانتخابية، ومن أبرز مقتضياته تنظيم إجراء ونشر استطلاعات الرأي ذات الصلة بالانتخابات والاستفتاءات خلال الفترة المحددة قانوناً، مع توسيع نطاق الحظر ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية، وتشديد العقوبات على المخالفين.
وكان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أكد أمام مجلس النواب أن القانون "يهدف إلى تطوير الإطار القانوني المتعلق باللوائح الانتخابية" و"تعزيز الضمانات الممنوحة للناخبات والناخبين". وأبرز أن القانون يجرم استخدام "شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنت أو الأنظمة المعلوماتية لإجراء استطلاع للرأي له علاقة بالانتخابات أو نشر نتائجه، خلال الفترة الممنوع فيها ذلك بمقتضى القانون".
وأضاف لفتيت أن القانون ينص على "تشديد العقوبات المطبقة على هذه المخالفات، من خلال الرفع من مدة العقوبة الحبسية ومن مبلغ الغرامة المالية في حق كل طرف طلب إجراء استطلاع الرأي المعني خلافاً للأحكام القانونية الجاري بها العمل، مع رفع الحد الأقصى للغرامة المالية إذا كان مرتكب المخالفة شخصاً معنوياً". كما شدد الوزير في سياق متصل على أن تنامي وسائل التواصل الاجتماعي "إلى جانب التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي خلق تحديات جديدة تتمثل في إنتاج حقائق زائفة قادرة على التأثير في المسار الانتخابي"، مما يستوجب الاحتراز وتشديد الضوابط.
ويبرز جانب من النقاش أهمية هذه الضوابط في الحفاظ على تكافؤ الفرص بين المتنافسين. يرى مؤيدو التنظيم أن نشر استطلاعات الرأي بكثافة قرب يوم الاقتراع قد يوجه جزءاً من الناخبين نحو خيارات معينة أو يخلق انطباعات مبكرة عن النتائج المحتملة. ويشيرون إلى أن التطور التقني السريع، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، يجعل من السهل إنتاج ونشر بيانات بسرعة واسعة، مما يستدعي ضوابط واضحة لحماية سير العملية الانتخابية.
في المقابل، يؤكد باحثون ومتخصصون في قياس الرأي العام أن الاستطلاعات العلمية المدروسة تبقى أداة مفيدة لفهم توجهات المجتمع ومتابعة ديناميات الحملة. ويشددون على أن الفائدة تكمن في إجرائها وفق معايير منهجية صارمة، مع الإفصاح الكامل عن حجم العينة وأسلوب الاختيار وهامش الخطأ والجهة الممولة. ويرون أن مثل هذه الاستطلاعات، عندما تُنشر في التوقيت المناسب وبطريقة شفافة، تساهم في إثراء النقاش العمومي وتقديم صورة أوضح عن المزاج العام بعيداً عن الفترة المحظورة.
ويأتي هذا النقاش في سياق استعدادات واسعة لتنظيم الاستحقاق التشريعي. تعمل المؤسسات المعنية على تحديث اللوائح الانتخابية وتسهيل إجراءات التسجيل، بما في ذلك الاعتماد المتزايد على الوسائل الإلكترونية.
كما تتابع الهيئات الرقابية الإعلامية مسألة التوازن والتعددية في التغطية، بما في ذلك الضوابط الخاصة ببث نتائج الاستطلاعات في وسائل الإعلام السمعية البصرية.
ولطالما شكلت استطلاعات الرأي جزءاً من المشهد الانتخابي المغربي في دورات سابقة، وكانت دائماً محط متابعة وتحليل. غير أن التطور الرقمي الحالي أضاف أبعاداً جديدة للنقاش، حيث أصبح من الممكن نشر النتائج عبر وسائل التواصل بسرعة كبيرة والوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين. لذا يركز الحوار الحالي على كيفية الاستفادة من هذه الأدوات مع الحفاظ على سلامة المناخ الانتخابي.
ويؤكد المتخصصون على ضرورة التمييز بين الاستطلاعات الجادة التي تعتمد على منهجيات علمية معترف بها، وتلك التي قد تفتقر إلى الدقة أو تُستخدم لأغراض أخرى. ويدعون إلى تعزيز ثقافة قراءة نتائج الاستطلاعات بشكل نقدي، مع الانتباه إلى حدودها الطبيعية وعدم التعامل معها كتوقعات نهائية للنتائج.
ومع تبقي أسابيع قليلة على موعد الاقتراع، يتوقع أن يستمر الاهتمام باستطلاعات الرأي كموضوع للنقاش العام والمهني. وستبقى الضوابط الزمنية المعمول بها إطاراً مرجعياً يحدد متى يمكن إجراؤها ونشرها.
وفي الوقت نفسه، تظل الحاجة قائمة إلى استطلاعات مهنية تُجرى في الفترات المسموح بها، لتقديم مؤشرات مفيدة حول اهتمامات المواطنين وأولوياتهم.في الختام، يرتبط نقاش استطلاعات الرأي ارتباطاً وثيقاً بالاستحقاق الانتخابي المقبل. فهو يعكس الرغبة في توفير بيئة انتخابية تسمح بتنافس نزيه، وفي الوقت ذاته تتيح للمواطنين والمراقبين أدوات لفهم توجهات الرأي العام.