الانتخابات الفلسطينية بين حسابات التعطيل ورهانات التوافق الوطني
القاهرة - تشهد الساحة الفلسطينية حراكا سياسيا مكثفا ومحفوفا بالتجاذبات على وقع الاستعدادات الجارية لعقد الانتخابات التشريعية المقررة في أواخر شهر نوفمبر المقبل.
وفي ظل الانقسام المتجذر منذ منتصف عام 2007 والتحديات المصيرية التي تواجه القضية الفلسطينية، برزت مواقف متباينة للقوى والفصائل، بين متمسك بإجراء الاستحقاق الانتخابي في موعده باعتباره مخرجا دستوريا، ومطالب بالتأجيل لحين بناء توافق وطني جامع يضمن مشاركة الجميع ويفضي إلى إصلاح مؤسسات النظام السياسي وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية.
تجسد الخلافات الراهنة حول الانتخابات التشريعية أزمة عميقة في شرعية البنى المؤسسية الفلسطينية، حيث تتحول صناديق الاقتراع من مجرد وسيلة لتداول السلطة إلى ساحة صراع استراتيجي محتدم على مستقبل الحركة الوطنية وهويتها السياسية وسط ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، طالب قيادي بارز في حركة "الجهاد الإسلامي" بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في أواخر نوفمبر المقبل، إلى حين تحقيق التوافق الوطني، مؤكدا أن حركته لن تشارك في الانتخابات، لكنها ستدعم أي قائمة تراها "وطنية".
وقال محمد الهندي، نائب رئيس حركة "الجهاد"، في تصريحات إعلامية اليوم السبت، إن حركته طالبت الرئيس الفلسطيني محمود عباس والفصائل بتأجيل الانتخابات حتى "إجراء توافق وطني شامل لإصلاح وإعادة بناء منظمة التحرير"، مشيرا إلى أن الجهاد شاركت في الحوار الفصائلي لبحث سبل التعامل مع إصرار السلطة الفلسطينية على المضي في إجراء الانتخابات.
وذكر الهندي أن حركة "الجهاد الإسلامي" لن تقدم قوائم أو مرشحين في الانتخابات، مضيفا أن حركته "ستدعم أي قائمة وطنية يتم التوافق عليها فلسطينيا.
واعتبر الهندي أن الانتخابات المرتقبة "لا تلبي تطلعات الشعب الفلسطيني، بل تستهدف مصادرة حقه في تقرير مصيره"، مشددا على رفض حركته لما وصفه بـ"حالة الارتهان للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في المنطقة".
لكنه أوضح أن المشاورات التي تجريها الفصائل تهدف إلى "دعم قائمة وطنية موحدة" في الانتخابات المقبلة، في سبيل توحيد الصف الفلسطيني في مواجهة التحديات القائمة، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز التوافق والوحدة.
وفي سياق متصل، قال الهندي إن نتائج المواجهة الحالية ستسهم في رسم مستقبل فلسطين والمنطقة لعقود قادمة، مشبهاً تأثيرها بالأحداث التي شهدها عام 1948.
صناديق الاقتراع تتحول من مجرد وسيلة لتداول السلطة إلى ساحة صراع استراتيجي محتدم على مستقبل الحركة الوطنية وهويتها السياسية وسط ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة
وشدد على أن مستقبل أي شعب يتحدد بما ينفذه في حاضره، مؤكدا أن ما يجري اليوم سيترك انعكاساته على ملامح المرحلة المقبلة لعقود.
تأتي هذه المواقف المتباينة على وقع حراك دبلوماسي وشعبي مكثف، فقد عقدت قبل نحو أسبوعين لقاءات تشاورية ثنائية ومتعددة بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة ومدينة العلمين بمصر، تناولت بحث إنهاء الانقسام الفلسطيني، وترتيبات العملية الانتخابية لإنجاحها.
وتسعى حركة حماس إلى تشكيل تحالف لخوض الانتخابات في قائمة ائتلافية، حيث جرت لقاءات بين وفدين من قيادة الحركة برئاسة خليل الحية، وتيار "الإصلاح الديمقراطي" برئاسة سمير المشهراوي، ولقاءات أخرى مع الجبهتين "الشعبية" و"الديمقراطية"، و"المبادرة الوطنية"، و"التحالف الوطني الديمقراطي"، و"لجان المقاومة الشعبية".
كما عقدت لقاءات بين وفد حركة فتح برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، و"التيار الإصلاحي" والجبهتين "الشعبية" و"الديمقراطية"، فيما تتواصل جهود مصر لعقد اجتماع بين "فتح" و"حماس" لإنهاء الانقسام.
وفي خضم هذه المشاورات، قدم رئيس تيار "الإصلاح الديمقراطي" محمد دحلان رؤية جديدة للنظام السياسي الفلسطيني خلال لقاءات في العلمين والقاهرة، تستند إلى "مراجعات شجاعة على قاعدة لا غالب ولا مغلوب"، تقوم على الشراكة السياسية بين الفصائل بما فيها حركة "حماس"، ولا يكون فيها سلاح إلا مع الشرطة وأجهزة الأمن الرسمية.
تعيد النقاشات الدائرة حول الانتخابات التشريعية إلى الأضواء ملف التعطل الدستوري المزمن الذي يعاني منه النظام السياسي الفلسطيني، إذ تعود آخر انتخابات تشريعية فلسطينية إلى عام 2006، والتي أسفرت عن فوز حركة حماس وتشكيل حكومتها، تلتها أحداث الانقسام الأسود عام 2007 الذي فصل إداريا وجغرافيا بين قطاع غزة والضفة الغربية.
ومنذ ذلك الحين، فشلت محاولات عديدة رعتها أطراف عربية وإقليمية لتنظيم انتخابات جديدة بسبب الخلافات الأمنية، وصلاحيات السلطة، وشروط المشاركة الدولية، وبرنامج منظمة التحرير.
يواجه إصرار القيادة الفلسطينية والسلطة في رام الله على الذهاب نحو صناديق الاقتراع في أواخر نوفمبر القادم باختبارات قاسية تتعلق بالقدرة على إجرائها في القدس الشرقية وقطاع غزة المدمر بفعل الحرب المستمرة، فضلا عن المخاوف من أن تؤدي الانتخابات من دون توافق مسبق إلى تكريس الانقسام بدلاً من إنهائه.
وفي المقابل، حظيت رؤية تيار الإصلاح الديمقراطي والأطروحات الفصائلية بتفهم كبير من قبل الفصائل، وتم إطلاع الجانب الأميركي وأطراف عربية ودولية أخرى عليها. وتقوم هذه الرؤية على إنهاء الخلافات الفلسطينية ووضع أسس للشراكة تحفظ الهوية الوطنية، وتحمي المواطن وكرامته، وتعيد للشعب حقه في اختيار قيادته ومحاسبتها عبر صناديق الانتخابات، لتظل المرحلة المقبلة رهينة بمدى قدرة الفرقاء على تذليل العقبات وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الفصائلية الضيقة.