قطر تعزز حضورها في ليبيا... مساعٍ لدفع التسوية السياسية
الدوحة- بحثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه مع وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي آخر التطورات السياسية والأمنية في ليبيا، في وقت تتكثف فيه التحركات الإقليمية والدولية لدفع العملية السياسية المتعثرة نحو تسوية تفضي إلى توحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات وطنية.
وخلال اللقاء، أطلعت تيتيه الخليفي على توصيات الحوار المُهيكل الذي قادته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى جانب نتائج أعمال الاجتماع المصغر والخطوات المقبلة، مؤكدة أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الفاعلون الإقليميون والدوليون في دعم المسار الأممي وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات.
ومن جانبه، أكد الخليفي دعم بلاده لجهود تيتيه والبعثة الأممية، مشدداً على أهمية التكامل بين المبادرات المختلفة الرامية إلى معالجة حالة الجمود السياسي والوصول إلى انتخابات وطنية.
ويأتي الموقف القطري في وقت تعمل فيه الدوحة على تعزيز حضورها في الملف الليبي، مستفيدة من علاقاتها مع عدد من الأطراف والقوى السياسية في البلاد.
ولا تبدو التحركات القطرية منفصلة عن سلسلة من الاتصالات التي أجرتها الدوحة خلال الفترة الأخيرة مع مسؤولين ليبيين، وفي مقدمتهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
وكان الخليفي قد التقى الدبيبة في طرابلس خلال الشهر الحالي، حيث أكدت قطر دعمها لوحدة ليبيا واستقرارها والحلول السلمية، مع التشديد على استمرار التواصل مع مختلف الأطراف والقيادات الليبية دعماً للجهود الأممية.
ويمنح هذا الانفتاح الدوحة هامشاً للتحرك في ملف شديد التعقيد، خصوصاً في ظل امتلاكها قنوات اتصال جيدة مع حكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب علاقاتها الإقليمية والدولية التي يمكن أن تساعدها في التواصل مع أطراف أخرى في المشهد الليبي.
وتسعى قطر، من خلال هذا الحضور، إلى تثبيت موقعها كطرف داعم للحوار وليس بالضرورة بديلاً عن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة. فالتنسيق مع البعثة الأممية يوفر للدوحة إطاراً للتحرك، بينما يمكن لعلاقاتها مع الأطراف الليبية أن تمنحها قدرة على تشجيع التواصل وتخفيف التوتر بين القوى المتنافسة.
وتأتي هذه الاتصالات في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، وتعثر التوافق بشأن القواعد المنظمة للانتخابات وشكل السلطة التنفيذية التي ستتولى قيادة البلاد إلى الاستحقاق الانتخابي.
كما يمثل ملف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية أحد أبرز العقبات أمام إنهاء الانقسام، في ظل استمرار وجود مراكز نفوذ وقوى مسلحة مرتبطة بأطراف سياسية ومناطقية مختلفة.
وفي هذا السياق، تركز الأمم المتحدة على بناء أرضية مشتركة بين الأطراف الليبية، باعتبار أن إجراء انتخابات وطنية يتطلب أولاً توفير توافق سياسي ومؤسساتي يضمن قبول نتائجها وقدرتها على إنهاء المرحلة الانتقالية بدلاً من إنتاج انقسام جديد.
وكان الحوار المُهيكل الذي قادته بعثة الأمم المتحدة قد اختتم أعماله في يونيو ، وخرج بأكثر من 525 توصية تناولت قضايا الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة ومعالجة أسباب الصراع.
وتوزعت التوصيات على أربعة مسارات رئيسية هي الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
وتعكس هذه النتائج اتساع نطاق الملفات التي تحتاج إلى تسوية قبل الوصول إلى انتخابات مستقرة، إذ لم يعد الخلاف الليبي محصوراً في موعد الانتخابات أو قوانينها، وإنما يرتبط أيضاً بطبيعة مؤسسات الدولة وتوزيع الصلاحيات والموارد وترتيبات الأمن والمصالحة.
قطر تسعى من خلال هذا الحضور إلى تثبيت موقعها كطرف داعم للحوار وليس بالضرورة بديلاً عن المسار الذي تقوده الأمم المتحدة.
وفي موازاة ذلك، تواصل البعثة الأممية متابعة مخرجات الاجتماع المصغر للجنة «4+4»، وسط تحذيرات من تداول معلومات غير دقيقة بشأن ما تم الاتفاق عليه.
وكانت البعثة قد دعت في 21 أغسطس إلى احترام القواعد المنظمة للمفاوضات، مؤكدة أنها ستنشر الاتفاق الرسمي بعد استكمال الإجراءات والإعلان عنه بصورة رسمية.
ويكشف هذا التطور عن حجم الحساسية التي تحيط بالمفاوضات الليبية، حتى بين الأطراف التي تشارك في مسارات الحوار نفسها. كما يبرز أن بناء الثقة بين القوى المتنافسة لا يزال يمثل تحدياً أساسياً أمام أي تسوية سياسية.
ومن هنا، قد يكون للدور القطري المحتمل أهمية في توفير قنوات خلفية للحوار، خصوصاً إذا تمكنت الدوحة من الاستفادة من علاقاتها مع أطراف متباينة لتقريب المواقف وتشجيع التنازلات المتبادلة.
ورغم اتساع الحضور القطري، فإن تحول هذا التواصل إلى وساطة سياسية مؤثرة سيبقى مرتبطاً بعوامل عدة، في مقدمتها استعداد الأطراف الليبية لتقديم تنازلات حقيقية، وقدرة الدوحة على الحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف مراكز القوة.
كما أن تعدد المبادرات الدولية والإقليمية بشأن ليبيا قد يمثل تحدياً بحد ذاته، إذ إن كثرة مسارات الوساطة لا تعني بالضرورة اقتراب التسوية، بل قد تؤدي إلى مزيد من التنافس بين المبادرات إذا لم تتكامل ضمن إطار واحد.
ولهذا يبدو أن قطر تحرص في المرحلة الحالية على تقديم تحركها باعتباره داعماً للجهود الأممية، وليس مساراً موازياً لها.
ويتيح هذا النهج للدوحة لعب دور أكبر في الاتصالات السياسية من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف الليبي.
وفي المحصلة، فإن تعزيز قطر حضورها في ليبيا يعكس محاولة للانخراط بصورة أكبر في مسار البحث عن تسوية سياسية، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع الفاعلين الليبيين والإقليميين. غير أن نجاح هذا الدور لن يقاس بعدد اللقاءات والاتصالات، وإنما بمدى قدرته على تحويل قنوات التواصل إلى تفاهمات عملية تدفع نحو توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية مقبولة.
وتبقى المهمة الأصعب أمام الدوحة والأمم المتحدة معاً هي إقناع الأطراف الليبية بأن استمرار الانقسام وتعدد مراكز السلطة لم يعد خياراً مستداماً، وأن التسوية السياسية، مهما كانت صعبة ومكلفة، تظل الطريق الأكثر واقعية لإنهاء المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات موحدة.