أقصر طريق للشهرة
لا شك أن ما قامت به المذيعة دينا المصري، صاحبة برنامج «حواديت على المكشوف» المعروض على قناة «المحور»، من انتقاد قرار إدارة المجمع السكني الذي تقيم فيه، بشأن منع تشغيل الأذان عبر مكبرات الصوت استجابة لشكاوى بعض السكان، وما نُسب إليها من عبارات اعتبرها منتقدون مسيئة إلى المسيحيين أو ساخرة من بعض شعائرهم الدينية، قد أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي لارتباطه بموجة استعراض للمواقف المشتددة في مصر تصب في صالح الجماعات المتطرفة.
قبل ذلك، كانت حادثة المرأة التي زعمت تعرضها للمنع من الصلاة، هي وصديقتها، أثناء وجودهما في مطعم «سيزلر ستيك» بمول العرب في مدينة 6 أكتوبر بالقاهرة، وما أثارته من جدل بعد أن تعمدت المرأة الصلاة في قاعة الطعام، رغم وجود مُصلّى داخل المول لا يبعد عن المطعم سوى بعض الأمتار.
أول ضحايا تلك الواقعة هو الموظف الذي حاول أن يقنع السيدتين بوجود مُصلّى قريب يمكنهما أداء الصلاة فيه، والذي تم طرده من وظيفته والتبرؤ من تصرفه، فقط لأنه دافع عن النظام العام الذي يُفترض اعتماده في الفضاء الذي يعمل فيه.
إدارة المطعم قالت في بيان إن تصرف الموظف لا يمثل ثقافة العمل داخل «سيزلر»، وإنه لم يسبق أن شهدت المجموعة، طوال 14 عاماً من العمل وخدمة عملائها، أي واقعة مماثلة، «وهو ما يعكس التزامنا الدائم باحترام جميع العملاء وتقديم أفضل مستوى من الخدمة».
السبب ليس أنها كانت تسمح بصلاة النساء بين موائد الطعام، ولكن لأنه لم يحدث أن تصرفت امرأة بذلك الأسلوب المتعمد لإرباك المجتمع وإعادة طرح أسئلة مصطنعة عن علاقة المجتمع بالدين، في ظل واقع سياسي يُراد وصمه بمعاداة الإسلام.
ما يحدث في مصر، وفي أغلب الدول العربية، هو أن تيارات الإسلام السياسي تسعى إلى اختراق المجتمع بتلك الممارسات التي تهدف من ورائها إلى المزايدة على القانون وعلى السيادة العامة للدولة، وتستغل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر مواقفها الكاذبة والخادعة والمتشنجة والمتآمرة، لتحقيق أهدافها، وفي مقدمتها العبث بالرأي العام واستغلال حالة الجهل واليأس والعجز والفشل للترويج للبديل الغيبي عن الواقع المزري.
مصر باتت تعاني حالة اختراق مباشر من قبل الشعوبيين من راكبي صهوة العاطفة الدينية لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية أو فردية
وهي تجد، من داخل منظومة الحكم ومن داخل المؤسسات الرسمية، من يدعمها بتلك الفتاوى والمواقف التي تتظاهر بالاعتدال وتصب في خانة التطرف، كما الحال في مصر، حيث لا يمكن الفصل بين الدعاة المحسوبين على السلطة والمناوئين لها في مجاملة الرأي العام المحافظ، دون الفصل بين الإسلام الاجتماعي ونظيره السياسي الساعي دائماً للاستفادة من كل ما يثير الاهتمام ويشعل الجدل بين العوام، كما في حالة المذيعة التي أرادت أن تركب موجة «الترند»، فقدمت خدمة مجانية للمراهنين على تصدع المجتمع وإنهاك الدولة.
وينعكس هذا الواقع على مواقف الأزهر ودار الإفتاء، وما يُبث على وسائل الإعلام من خطاب مغرق في قطيعته الواضحة مع العقل والمنطق ومبادئ الإصلاح والتنوير.
فما لا تستطيع السلطة نفيه هو أن المؤسسة الدينية الرسمية المتغولة تلتقي مع تيارات الإسلام السياسي النشطة من وراء حجاب، في العمل على السيطرة التامة على المجتمع بخطاب ديني قابل للتأويل وفق التطورات والظروف والوقائع التي تتطلب ذلك. وعندما نتحدث عن داعية مستنير أو عن رؤية دينية متقدمة ومواكبة للعصر، فنحن نتحدث عن حالة معزولة تنافح لوحدها من خارج الخطاب السائد.
إن تلك الأحداث التي قد يعتقد البعض أنها شاذة أو معزولة، إنما يتدافع صانعوها لإثارة الجدل والسجال داخل المجتمع من داخل أجندات يتم الإعداد لها سلفاً، أو في سياقات تصب في إطار تسجيل أهداف في شباك السلطة، باستغلال الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة لتحقيق أهداف شخصية، من داخل منظومة اجتماعية وثقافية ذات ميل تلقائي للتعاطف مع كل من يستهدف الدولة عبر استهداف المجتمع في علاقته بالآخر، من داخل دين الأغلبية أو من خارجه.
من هنا يكون أقصر طريق للشهرة والنجومية، وإن كانت مؤقتة، وتحقيق المصالح والظهور في صورة الخارجين عن صف النظام وخطاب السلطة.
تواجه مصر، منذ أكثر من 40 عاماً، النتائج التدميرية لخطاب «الصحوة» الذي سيطر على المجتمع وسلّم طبقاته الدنيا إلى السلطة الدينية الرسمية، ثم الموازية التي لا يمكن فصلها عن تطلعات الإسلام السياسي بوجهيه الإخواني والسلفي.
وإذا كانت السعودية، مثلاً، قد أدركت مكمن الداء وامتلكت الجرأة لمواجهته رسمياً وشعبياً، فإن مصر باتت تعاني حالة اختراق مباشر من قبل الشعوبيين من راكبي صهوة العاطفة الدينية لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية أو فردية، وهو ما يحتاج إلى قراءة واقعية لتلك الأحداث التي قد تبدو معزولة، كحادثة المذيعة ومصلية المطعم، لكنها في الواقع تكشف عن حالة إرباك متعمد لسيادة الدولة ووحدة المجتمع.