رشة الملح الإضافية تقود إلى الاكتئاب

الوقاية النفسية تبدأ أحياناً بمجرد ترك المملحة جانباً.
الأربعاء 2026/08/19
رشة اكتئاب

بكين- سلطت دراسة صينية حديثة الضوء على عادة يومية بسيطة قد تحمل في طياتها مخاطر غير متوقعة. توصل فريق من الباحثين في جامعة "هوا تشونغ" للعلوم والتكنولوجيا بمدينة ووهان الصينية إلى أن الأشخاص الذين يضيفون الملح إلى طعامهم بشكل شبه دائم على المائدة يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق.

واستندت النتائج إلى تحليل بيانات نحو 440 ألف شخص، بحسب ما نقل موقع "واتسون" السويسري.

وأظهرت الدراسة أن الذين أفادوا بأنهم يضيفون الملح دائماً إلى الطعام كانت لديهم نسبة خطر الإصابة بالاكتئاب أعلى بنسبة 37 بالمئة مقارنة بمن لا يضيفون الملح مطلقاً. كما ارتفع خطر الإصابة باضطرابات القلق لديهم بنسبة 27 بالمئة. أما من يضيفون الملح بصورة متكررة لكن ليس دائماً، فقد ارتفع لديهم خطر الاكتئاب بنسبة 16 بالمئة والقلق بنسبة 5 بالمئة تقريباً.

وتكشف هذه الأرقام تشف عن علاقة طردية واضحة: كلما زادت عادة الإضافة المتكررة للملح، ارتفع الخطر. وتعتمد الدراسة على بيانات ضخمة من بنوك بيولوجية واسعة النطاق، حيث سُئل المشاركون عن تكرار إضافة الملح إلى وجباتهم بعد الطهي، وصُنفت الإجابات إلى فئات مثل "أبداً أو نادراً"، "أحياناً"، "عادةً"، و"دائماً". ثم تمت متابعة هؤلاء الأفراد على مدى سنوات طويلة لرصد حالات الاكتئاب والقلق الجديدة.

ما يميز هذه النتائج هو استقلاليتها النسبية عن عوامل أخرى مثل العمر والوزن والعادات المعيشية، مما يعزز احتمال وجود ارتباط حقيقي.

ويحذر الخبراء من أن هذه العلاقة لا تعني بالضرورة أن الملح يسبب الاكتئاب بشكل مباشر، لكنها تفتح الباب أمام فرضيات علمية مثيرة.

ويشير بعض الباحثين إلى أن الصوديوم الزائد قد يؤثر على التوازن الهرموني في الجسم، خاصة السيروتونين والدوبامين المسؤولين عن تنظيم المزاج. كما قد يؤدي إلى زيادة الالتهاب المزمن عبر بروتينات مثل IL-17A، التي أظهرت دراسات سابقة على الحيوانات ارتباطها بأعراض شبيهة بالاكتئاب. بالإضافة إلى ذلك، ينشط الإفراط في الملح محور التوتر في الجسم، مما يرفع مستويات الكورتيزول ويؤثر سلباً على النوم والطاقة والمزاج العام.

وتأتي هذه الدراسة ضمن سلسلة أبحاث حديثة تربط بين العادات الغذائية والصحة النفسية.

وأظهرت دراسات سابقة اعتمدت على بيانات الـUK Biobank البريطانية نتائج مشابهة، حيث ارتفع خطر الاكتئاب بنسبة تصل إلى 45 بالمئة لدى من يضيفون الملح دائماً. كما دعمت تحليلات جينية فكرة وجود علاقة سببية محتملة.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الدراسات الرصدية تحمل قيوداً، إذ تعتمد على التقارير الذاتية وقد تتأثر بعوامل أخرى غير مقاسة مثل النظام الغذائي الكلي أو الضغوط الحياتية.من الناحية العملية، تطرح النتائج تساؤلات مهمة حول التوصيات الغذائية الحالية.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم تجاوز 5 غرامات من الملح يومياً، لكن كثيراً من الناس يتجاوزون هذا الحد عبر الأطعمة المصنعة والإضافة المنزلية.

ويقول خبراء إن "تقليل الملح على المائدة ليس مجرد خطوة لحماية القلب والأوعية الدموية، بل قد يصبح جزءاً من استراتيجية وقائية للصحة النفسية". وينصحون باستبدال الملح بالتوابل والأعشاب، وزيادة تناول الخضروات والفواكه الغنية بالبوتاسيوم التي قد تخفف من التأثيرات السلبية للصوديوم.

وتذكر الدراسة بأن الصحة النفسية لا تنفصل عن الخيارات اليومية البسيطة. فالإفراط في الملح، رغم كونه عادة شائعة وغير ملحوظة، قد يكون له ثمن باهظ على المدى الطويل. ومع تزايد الأدلة العلمية، يصبح من الضروري إعادة التفكير في علاقتنا بالملح، ليس فقط من أجل الجسد، بل من أجل العقل أيضاً.