التعويضات تعرقل تسوية أزمة مضيق هرمز

شرط ترامب المالي يرفع سقف الخلاف مع طهران
الثلاثاء 2026/08/11
مخاوف بشأن مستقبل المضيق

طهران- صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب شروطه في مفاوضات أزمة مضيق هرمز، بعدما طالب إيران بدفع تعويضات عن قتلى وأضرار قال إن الجمهورية الإسلامية تسببت فيها على مدى العقود الخمسة الماضية، في خطوة تضيف ملفاً جديداً شديد الحساسية إلى مفاوضات تسعى أساساً إلى إعادة فتح الممر المائي وضمان عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.

ويأتي هذا الطرح في وقت تحاول فيه واشنطن وطهران إيجاد مخرج لأزمة هرمز، لكن الخلافات بينهما لم تعد تقتصر على آليات إعادة فتح المضيق. فإيران تطالب برفع العقوبات ووقف التهديدات العسكرية والحصول على تعويضات، بينما تضيف الولايات المتحدة بدورها ملفاً مالياً واسعاً إلى أجندة التفاوض، ما يرفع سقف المطالب المتبادلة ويجعل الوصول إلى تسوية سريعة أكثر صعوبة.

ويحمل شرط التعويضات دلالات تتجاوز الجانب المالي، إذ يمكن لواشنطن استخدامه كورقة ضغط سياسية لإعادة تحميل إيران مسؤولية أضرار وخسائر مرتبطة بصراعات امتدت لعقود.

وبذلك، يتحول ملف هرمز من تفاوض حول الملاحة إلى مفاوضة أوسع حول كلفة الصراع نفسه ومن يتحمل تبعاته.

وتزداد حساسية هذا الطرح بسبب اتساع نطاق الخسائر التي تريد واشنطن ربطها بإيران، بما يشمل ضحايا وأضراراً في دول عدة بالمنطقة. وهو ما يعني أن تحديد قيمة التعويضات ومعايير استحقاقها لن يكون مسألة تقنية بسيطة، بل ملفاً سياسياً وقانونياً يمكن أن يستغرق وقتاً طويلاً، ويصبح عقبة أمام أي اتفاق عاجل بشأن المضيق.

وفي المقابل، تبدو طهران متمسكة بتحويل قدرتها على التأثير في حركة الملاحة إلى ورقة تفاوضية. وتقول إيران إنها تقترب من التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عُمان بشأن مسارات ملاحية جديدة عبر مضيق هرمز، فيما تشمل المباحثات مسائل تتعلق بالملاحة الآمنة وحماية البيئة والخدمات البحرية ومكافحة الجريمة.

وتشير هذه التطورات إلى أن عُمان تحاول توفير مساحة وسط بين المطالب المتعارضة، عبر التركيز على الجوانب الفنية للملاحة وإبعادها قدر الإمكان عن الملفات السياسية الأكثر تعقيداً. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطاً بقدرة واشنطن وطهران على الاتفاق أولاً على قواعد أساسية للعبور، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر حساسية.

وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في شكل إدارة المضيق بعد انتهاء الأزمة. فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة وعدم منح إيران القدرة على فرض ترتيبات اقتصادية أو أمنية تجعلها صاحبة اليد العليا في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، فيما تسعى طهران إلى الحصول على مكاسب مقابل السماح بعودة الملاحة إلى طبيعتها.

ويشمل ذلك رفض واشنطن لأي ترتيبات تمنح إيران حق فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، في وقت تنظر فيه طهران إلى موقعها الجغرافي وسيطرتها الفعلية على المنطقة باعتبارهما مصدر قوة تفاوضية يمكن توظيفهما للحصول على تنازلات في ملفات العقوبات والتهديدات العسكرية والتعويضات.

ومن هنا، فإن العقدة الحقيقية لا تكمن فقط في فتح المضيق، وإنما في الاتفاق على قواعد ما بعد الفتح. فعودة السفن إلى العبور لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة، إذا بقيت الخلافات بشأن الضمانات الأمنية والرسوم وآليات المراقبة وترتيبات الملاحة قائمة.

وتأتي هذه المفاوضات في ظل كلفة اقتصادية متزايدة لاستمرار اضطراب هرمز. فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو خمسة بالمئة عقب تصريحات ترامب بشأن التعويضات، وسط مخاوف من أن يؤدي تعثر المفاوضات إلى استمرار حالة عدم اليقين في أحد أكثر الممرات أهمية لإمدادات الطاقة العالمية.

وكان المضيق يمر عبره قبل الحرب نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وهو ما يجعل أي تهديد باستمرار تعطيل الملاحة أو تقييدها عاملاً سريع التأثير في الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد.

وتضع هذه المعادلة إدارة ترامب أمام ضغوط مزدوجة. فمن جهة، تريد واشنطن منع إيران من استخدام هرمز أداة ابتزاز استراتيجي، ومن جهة أخرى، فإن استمرار الأزمة يرفع أسعار الطاقة ويزيد الأعباء الاقتصادية على الأميركيين، في وقت يقترب فيه موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وبالتالي، قد يتحول ملف التعويضات من ورقة ضغط على إيران إلى عنصر ضغط على الإدارة الأميركية نفسها. فكلما ارتفع سقف المطالب الأميركية، أصبح من الصعب الوصول إلى اتفاق سريع، وكلما طال أمد المفاوضات، بقيت أسواق الطاقة تحت تأثير المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمضيق.

كما أن إدخال التعويضات في صلب مفاوضات هرمز يفتح الباب أمام ربط ملفات عديدة ببعضها البعض. فطهران تريد رفع العقوبات ووقف التهديدات، وواشنطن تريد ضمان الملاحة والحصول على تنازلات بشأن الملفات الأمنية، والآن أصبح التعويض المالي جزءاً من المعادلة.

ملف هرمز يتحول من تفاوض حول الملاحة إلى مفاوضة أوسع حول كلفة الصراع نفسه ومن يتحمل تبعاته.

ومع تعدد الملفات، يصبح احتمال تجميد المفاوضات قائماً إذا قرر أي طرف استخدام أحدها لتعطيل التقدم في الملفات الأخرى.

وفي المقابل، لا تبدو إيران في وضع يسمح لها بتجاهل الكلفة الاقتصادية والسياسية لاستمرار أزمة المضيق. فاضطراب الملاحة يضر بالاقتصاد العالمي، وقد يؤدي إلى مزيد من الضغوط الدولية، كما يمكن أن يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية دولية أكثر تشدداً في المنطقة.

ولهذا السبب، قد يكون الحل المرحلي هو المخرج الأكثر واقعية. ويمكن للطرفين، عبر الوساطة العمانية، الفصل بين فتح الممر المائي والقضايا التي تحتاج إلى مفاوضات أطول. فالاتفاق على ممرات آمنة ووقف استهداف السفن وضمان حرية الملاحة يمكن أن يشكل خطوة أولى، بينما تُترك ملفات التعويضات والعقوبات والترتيبات الأمنية طويلة الأمد لمسار تفاوضي منفصل.

وقد يسمح مثل هذا الفصل لكل طرف بتحقيق مكسب عاجل دون التخلي عن مطالبه الأساسية. فواشنطن تحصل على إعادة فتح المضيق وخفض المخاطر على أسواق الطاقة، بينما تحصل طهران على مسار تفاوضي بشأن العقوبات والتهديدات والتعويضات، من دون أن تتحول جميع الملفات إلى شروط مسبقة أمام عودة الملاحة.

وأما إذا أصرت الولايات المتحدة على ربط فتح المضيق بتسوية شاملة للتعويضات، وأصرت إيران في المقابل على رفع العقوبات ووقف التهديدات قبل السماح بعودة الملاحة، فإن فرص التوصل إلى اتفاق قريب ستتراجع، وقد يتحول هرمز إلى ورقة مساومة مفتوحة بين الطرفين.

وتكشف الأزمة في جوهرها عن صراع أوسع على قواعد النفوذ في الخليج. فإيران تريد الحفاظ على قدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى منع تكريس هذه القدرة وتحويلها إلى نفوذ اقتصادي وسياسي دائم.

وبذلك، فإن شرط التعويضات الذي طرحه ترامب ليس مجرد مطالبة مالية، بل جزء من محاولة إعادة صياغة ميزان التفاوض مع طهران. لكنه في الوقت نفسه يزيد عدد الملفات التي يتعين على الطرفين حلها، ويجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً.

وفي النهاية، ستبقى المعضلة الأساسية أمام واشنطن وطهران هي كيفية الفصل بين ما هو عاجل وما هو طويل الأمد. فأسواق الطاقة تحتاج إلى عودة سريعة للملاحة، بينما تحتاج القضايا المتعلقة بالتعويضات والعقوبات والأمن الإقليمي إلى مفاوضات أوسع وأكثر تعقيداً.

ومن ثم، فإن التعويضات قد تكون ورقة ضغط فعالة في يد ترامب، لكنها تحمل في المقابل خطر تحويل أزمة هرمز من مشكلة ملاحة قابلة للحل إلى مواجهة تفاوضية متعددة الملفات.

وكلما طال استخدامها كشرط مسبق، ازدادت احتمالات تأخير التسوية، وارتفعت كلفة الأزمة على الأسواق والمنطقة والاقتصاد العالمي.