عندما تخشى بريطانيا على أمنها الغذائي… ماذا تفعل المنطقة العربية؟
حين تبدأ دولة مثل بريطانيا، بما تمتلكه من اقتصاد متطور ومؤسسات راسخة وقدرة واسعة على استيراد الغذاء من الأسواق العالمية، في اعتبار الجفاف تهديدًا مباشرًا لأمنها الغذائي، فإن الأمر يتجاوز مجرد موسم زراعي ضعيف أو أزمة مناخية عابرة. إنها إشارة إنذارية ينبغي أن تُقرأ بجدية في المناطق الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وإذا كانت بريطانيا تخشى أن يؤدي الجفاف إلى تقليص إنتاجها الزراعي وزيادة اعتمادها على الخارج، فما الذي يتعين على دول تقع أصلًا في واحدة من أكثر بقاع العالم شحًا في المياه، وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد الغذائي، وتواجه في الوقت نفسه نموًا سكانيًا وضغوطًا مناخية متصاعدة، أن تفعله لتفادي أزمة وجودية؟
السؤال ليس للتهويل، بل للاستعداد.
فالمنطقة العربية لا تحتاج إلى انتظار أزمة غذائية كبرى حتى تكتشف أن الماء والغذاء لم يعودا ملفين اقتصاديين عاديين، وإنما أصبحا جزءًا من الأمن الوطني والإقليمي. وما يحدث اليوم في بريطانيا يجب أن يُقرأ في العواصم العربية باعتباره درسًا مبكرًا.
المنطقة تعاني أصلًا من ندرة شديدة في المياه، وتتعرض مساحات واسعة منها لموجات حرارة متزايدة وتراجع في معدلات الأمطار وتدهور في الأراضي الزراعية. ومع استمرار النمو السكاني والتحضر، تتسع الفجوة بين الطلب على الغذاء والقدرة المحلية على إنتاجه.
وهنا تظهر المفارقة.
في الوقت الذي أصبح فيه الغذاء بالنسبة إلى الدول الكبرى قضية استراتيجية، لا تزال بعض دول المنطقة تتعامل معه باعتباره سلعة يمكن الحصول عليها بسهولة من الأسواق العالمية. لكن الأسواق لا تقدم ضمانات دائمة. فقد تكفي حرب في منطقة منتجة، أو أزمة في سلاسل الإمداد، أو ارتفاع مفاجئ في أسعار الطاقة والنقل، أو موجة جفاف متزامنة في أكثر من منطقة زراعية، لكي يتحول الغذاء من سلعة متاحة إلى مصدر قلق استراتيجي.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع دول المنطقة استيراد الغذاء؟ بل: هل تستطيع ضمان حصولها عليه عندما تتغير الظروف الدولية؟
الجواب يتطلب إعادة تعريف مفهوم الأمن الغذائي. فالأمن الغذائي لا يعني بالضرورة أن تنتج كل دولة كل ما تحتاج إليه، فهذا غير واقعي بالنسبة إلى كثير من دول المنطقة. لكنه يعني امتلاك مزيج ذكي من الإنتاج المحلي، والمخزونات الإستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار الزراعي الخارجي، والتكنولوجيا، وإدارة المياه بكفاءة.
قلق بريطانيا من الجفاف يوضح أن الأمن الغذائي لم يعد قضية اقتصادية عابرة بل تهديد استراتيجي عالمي ورسالة إنذارية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا
وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه المنطقة بدل الوقوع في ثنائية زائفة بين الاكتفاء الذاتي الكامل والاعتماد الكامل على الخارج.
فالزراعة العربية تحتاج إلى أن تصبح أكثر ذكاءً، لا بالضرورة أكثر استهلاكًا للمياه. ويمكن للتقنيات الحديثة أن تغير قواعد اللعبة: الزراعة الدقيقة، والاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي، وتحسين البذور، والزراعة المحمية، وإعادة استخدام المياه، واستخدام أنظمة الري الأكثر كفاءة. هذه الأدوات ليست ترفًا تكنولوجيًا، بل أصبحت جزءًا من معركة البقاء الزراعي في بيئة مناخية تتغير بسرعة.
وفي المقابل، يجب إعادة النظر في العلاقة بين الماء والزراعة. فليس من المنطقي أن تستمر سياسات زراعية في بعض المناطق على النحو نفسه الذي كانت عليه عندما كانت المياه أكثر وفرة. ينبغي أن تتجه الاستثمارات نحو المحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئة المحلية، وأن تتراجع زراعة المحاصيل شديدة الاستهلاك للمياه حيث لا تتوافر الموارد اللازمة لاستدامتها.
وهنا تصبح تحلية المياه عنصرًا أساسيًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول العربية الساحلية. فالمنطقة تمتلك ميزة جغرافية مهمة: البحر. وإذا كانت تحلية المياه قد أصبحت صناعة متقدمة، فإن الجمع بينها وبين الطاقة المتجددة يمكن أن يفتح مجالًا أوسع لتوفير المياه للاستخدامات المختلفة، وتقليل الضغط على المياه الجوفية ومصادر المياه التقليدية.
لكن تحلية المياه وحدها ليست حلًا سحريًا. فهي تحتاج إلى الطاقة، والاستثمارات، والبنية التحتية، وإدارة مستدامة للمياه الناتجة عنها. ولذلك فإن الحل الحقيقي يكمن في منظومة متكاملة تجمع بين تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، وتقليل الهدر، وإدارة الطلب، وحماية المياه الجوفية.
والأهم من ذلك كله أن تتوقف الدول عن التعامل مع الأمن المائي والغذائي باعتبارهما قضيتين منفصلتين.
فلا غذاء بلا ماء، ولا استقرار غذائي بلا إدارة رشيدة للمياه.
وهنا يمكن للمنطقة أن تنتقل من التعاون النظري إلى بناء تحالفات عملية. لماذا لا تنشأ منظومة إقليمية لتبادل تقنيات الزراعة المقاومة للجفاف؟
وهذا يقود إلى نقطة أكثر أهمية: الأمن الغذائي العربي لا ينبغي أن يكون مجرد مجموع سياسات وطنية منفصلة.
المنطقة العربية تواجه ندرة مياه وضغوطًا مناخية متزايدة ما يستدعي إعادة تعريف الأمن الغذائي عبر إنتاج محلي ذكي ومخزونات إستراتيجية وتعاون إقليمي فعال
فالمنطقة مترابطة اقتصاديًا وجغرافيًا، وأي أزمة كبرى في دولة واحدة يمكن أن تمتد آثارها إلى دول أخرى عبر الأسعار والهجرة وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن التعاون في هذا المجال ليس عملًا خيريًا ولا ترفًا دبلوماسيًا، بل مصلحة مشتركة.
ومن الضروري كذلك إعادة النظر في سياسات الدعم الزراعي. فالدعم الذي يشجع إنتاج محاصيل غير ملائمة للموارد المائية قد يكون مكلفًا على المدى الطويل، حتى لو حقق نتائج قصيرة الأجل
وإذا كانت بريطانيا، بما لديها من قدرات، بدأت تنظر إلى الجفاف باعتباره تحديًا لأمنها الغذائي، فإن الرسالة بالنسبة إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينبغي أن تكون أوضح.
لكن هذا لا يعني الاستسلام لفكرة أن المنطقة محكوم عليها بالعطش والجوع. العكس هو الصحيح.
فالتكنولوجيا تغير بعض المعادلات التي كانت تبدو مستحيلة قبل عقود، والطاقة الشمسية تمنح الدول العربية فرصة لإنتاج الطاقة اللازمة لتحلية المياه، والزراعة الذكية تتيح إنتاج المزيد بموارد أقل، والتعاون الإقليمي يمكن أن يقلل المخاطر التي لا تستطيع دولة واحدة مواجهتها منفردة.
المطلوب إذن ليس الخوف من المستقبل، بل الاستعداد له.
أما “سلوك النعامة”، أي تجاهل الخطر لأن الأزمة لم تصل بعد إلى مرحلة الانفجار، فلن يكون استراتيجية قابلة للحياة. فالأزمات المائية والغذائية لا تبدأ عادة بانهيار مفاجئ؛ تبدأ بتغير صغير في الأمطار، ثم ارتفاع في تكلفة الإنتاج، ثم تراجع في المحاصيل، ثم زيادة في الأسعار، ثم ضغط اجتماعي وسياسي. وعندما يصل الخطر إلى هذه المرحلة، تكون كلفة المعالجة أعلى بكثير من كلفة الوقاية.
ولهذا فإن أفضل وقت لبناء الأمن الغذائي والمائي ليس عندما تنقطع الإمدادات، بل عندما تكون الأسواق ما تزال مفتوحة والموارد ما تزال متاحة والاستثمارات ما تزال قادرة على إحداث الفرق.
القلق البريطاني يجب ألا يُقرأ عربيًا بوصفه خبرًا بعيدًا. إنه إنذار مبكر لما يمكن أن تصبح عليه المنطقة إذا لم تتغير طريقة إدارة الماء والغذاء.
والفرصة لا تزال قائمة.