الجفاف يضرب حقول بريطانيا ويفتح بابًا لأزمة غذائية محتملة

تغير المناخ قد يحول الظواهر الجوية المتطرفة من أزمات موسمية إلى تهديد طويل الأمد
الجمعة 2026/08/07
المزارعون أمام خيار التكيف

لندن- تواجه الزراعة البريطانية واحدة من أصعب مراحلها في السنوات الأخيرة، بعدما أدى الجفاف القياسي وموجات الحر المتكررة إلى تراجع محاصيل أساسية ورفع المخاوف بشأن الأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن تغير المناخ قد يحول الظواهر الجوية المتطرفة من أزمات موسمية إلى تهديد طويل الأمد لإمدادات الغذاء.

وشهدت بريطانيا أكثر أشهر يوليو جفافًا منذ بدء هيئة الأرصاد الجوية البريطانية تسجيل البيانات، في تطور ترك آثاره واضحة على الحقول، خصوصًا في إنجلترا، حيث اضطر المزارعون إلى مواجهة تربة شديدة الجفاف ومحاصيل لم تحصل على ما يكفيها من المياه خلال مراحل النمو الأساسية.

ويقول المزارع البريطاني جون باوسي إن أرضه في مقاطعة سوفولك شرق إنجلترا "جفّت فجأة وبشكل كامل"، بينما وصف الجفاف بأنه يبدو مستمرًا "بلا نهاية" منذ أسابيع.

ولم يعد الجفاف مجرد مشكلة تتعلق بظروف العمل داخل المزارع، بل بدأ ينعكس بصورة مباشرة على حجم الإنتاج الزراعي.

ويشير باوسي إلى أن محصوله من الشوفان والقمح والبيقية تراجع بنحو 25 إلى 30 في المئة، بينما تضررت محاصيل أخرى بصورة أكبر.

وفي مزرعته، لم يتمكن محصول الكينوا من الصمود أمام الظروف المناخية القاسية، فيما لم يتجاوز محصول البازلاء في بعض المزارع نصف الكمية المتوقعة.

وتكشف هذه الخسائر هشاشة بعض المحاصيل أمام موجات الحر والجفاف، خصوصًا عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع غياب الأمطار خلال فترات حاسمة من دورة نمو النبات.

وتقول نيكولا كانون، الأستاذة في الكلية الملكية للزراعة، إن محصول البازلاء هذا العام لم يتجاوز نحو 50 في المئة من التوقعات، بعدما لم يحصل النبات على رطوبة كافية منذ مارس.

وأثارت هذه التطورات مخاوف متزايدة بشأن قدرة بريطانيا على الحفاظ على إمدادات غذائية مستقرة، خصوصًا أن تراجع الإنتاج المحلي قد يدفع البلاد إلى زيادة الاعتماد على الواردات في وقت تتأثر فيه الأسواق العالمية أصلًا بالتوترات المناخية والجيوسياسية.

وحذر رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين توم برادشو من احتمال حدوث نقص في بعض المنتجات الغذائية إذا استمر الجفاف، مشيرًا إلى أن البريطانيين اعتبروا إمداداتهم الغذائية مضمونة لفترة أطول مما ينبغي.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأن الأمن الغذائي لا يتعلق فقط بتوافر الغذاء، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على ضمان استمرارية الإمدادات بأسعار يمكن للمستهلكين تحملها.

فكل انخفاض في الإنتاج المحلي يضغط على دخل المزارعين، وقد يؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع الأسعار أو زيادة الاعتماد على المنتجات المستوردة.

ولا ينظر الخبراء إلى الجفاف الحالي باعتباره ظاهرة عابرة، بل باعتباره جزءًا من تغير أوسع في أنماط الطقس.

ويحذر خبير الأمن الغذائي تيموثي بينتون من أن تداعيات تغير المناخ ستزداد، وأن الأنظمة الغذائية ستكون مضطرة إلى التكيف مع الظروف الجديدة.

وتعني هذه التحولات أن المحاصيل التي اعتادت بريطانيا زراعتها بكميات كبيرة قد تصبح أكثر عرضة للخطر، بينما قد تكتسب محاصيل أخرى قدرة أكبر على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة ونقص المياه.

ومن هنا بدأ بعض المزارعين بالفعل تجربة أنواع جديدة من المحاصيل، مثل الفول والحمص وفول الصويا، إلى جانب اعتماد أساليب زراعية تهدف إلى زيادة قدرة التربة والمحاصيل على تحمل الظروف القاسية.

ويحاول باوسي التعامل مع الظروف الجديدة باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في طريقة الزراعة، إذ لجأ إلى زراعة محصولين مختلفين في الحقل نفسه، بما يساعد على تنويع الإنتاج وتقليل مخاطر الاعتماد على محصول واحد.

ويرى أن المزارعين الذين يستطيعون التكيف مع تغير المناخ قد يجدون فرصًا جديدة، لكنه في الوقت ذاته يدعو الحكومة إلى تقديم الدعم اللازم للمنتجين الذين يريدون الانتقال إلى أساليب زراعية أكثر قدرة على الصمود.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية بسبب التكاليف التي تفرضها عملية التكيف. فالمزارع الذي يعاني أصلًا من انخفاض المحاصيل والأرباح قد لا يمتلك الموارد اللازمة لشراء معدات جديدة أو تجربة أصناف زراعية مختلفة أو الاستثمار في إدارة المياه والتربة.

ويرى بينتون أن بريطانيا بحاجة إلى الابتعاد عن الاعتماد المفرط على الزراعة المكثفة، والانتقال إلى نظام زراعي أكثر تنوعًا ودائرية، بما يعزز الأمن الغذائي ويقلل الاعتماد على الواردات.

كما ينتقد التركيز الكبير على تحسين إنتاجية بعض المحاصيل، مثل القمح، على حساب تطوير أنظمة زراعية متكاملة قادرة على التعامل مع الصدمات المناخية.

وتعني هذه الرؤية أن مواجهة الجفاف لا يمكن أن تعتمد فقط على زيادة إنتاج المحصول نفسه، بل يجب أن تشمل تغيير طريقة استخدام الأراضي، وتنويع المحاصيل، وتحسين إدارة المياه، وحماية التربة وتعزيز قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

وتبرز إدارة المياه كأحد أهم التحديات التي تواجه بريطانيا مع تزايد فترات الجفاف.

وقد تعهدت الحكومة البريطانية باستثمارات قياسية في البنية التحتية للمياه، تشمل إنشاء تسعة خزانات جديدة، في محاولة لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الطلب المتزايد ونقص المياه.

لكن الخبراء يرون أن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى تدخل أوسع من مجرد زيادة مخزون المياه، لأن تغير المناخ يفرض تحديات متزامنة تشمل ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الرطوبة، وتغير مواسم الزراعة، وتكرار موجات الجفاف.

كل انخفاض في الإنتاج المحلي يضغط على دخل المزارعين، وقد يؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع الأسعار أو زيادة الاعتماد على المنتجات المستوردة.

وإذا استمرت خسائر المحاصيل، فقد تنتقل آثار الأزمة من الحقول إلى الأسواق والمستهلكين.

فتراجع الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الواردات، بينما يمكن أن ترفع تكاليف النقل والإنتاج والأسعار العالمية تكلفة الغذاء على المستهلك البريطاني.

كما أن انخفاض ربحية المزارعين قد يدخل القطاع في حلقة مفرغة؛ إذ يؤدي ضعف الدخل إلى تقليص قدرة المزارعين على الاستثمار في التكيف، ما يجعلهم أكثر عرضة لخسائر مستقبلية.

ولهذا ترى كانون أن تشجيع المستهلكين على شراء المنتجات البريطانية الموسمية يمكن أن يوفر للمزارعين قدرًا أكبر من اليقين بشأن السوق، ويساعدهم على الاستثمار في إجراءات التكيف.

وتضع الظروف الحالية الحكومة البريطانية أمام اختبار يتجاوز دعم المزارعين إلى حماية الأمن القومي.

وقد شدد متحدث باسم رئيس الوزراء على أن الأمن الغذائي هو جزء من الأمن القومي، في إشارة إلى تنامي المخاوف من أن تصبح التغيرات المناخية عاملًا مؤثرًا في استقرار الإمدادات الغذائية.

لكن حجم التحدي يتطلب سياسات طويلة الأمد، لأن تغير المناخ لا يهدد موسمًا زراعيًا واحدًا فقط، وإنما يفرض تحولًا في الطريقة التي تنتج بها بريطانيا غذاءها.

ويحذر بينتون من أن تكلفة التغيير ستزداد مع مرور الوقت، بينما يرى باوسي أن استمرار أنماط الطقس الحالية قد يدفع بعض المزارعين إلى الإفلاس، وهو ما سيعني إما ارتفاع الأسعار أو زيادة اعتماد القطاع على الدعم الحكومي.

وتكشف تجربة المزارعين البريطانيين أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية بعيدة عن الحياة اليومية، بل أصبح عاملًا مباشرًا في تحديد كمية الغذاء المتاح وأسعاره واستقرار المنتجين.

ومع تكرار موجات الحر والجفاف، تبدو بريطانيا أمام ضرورة إعادة النظر في نظامها الزراعي والغذائي، من خلال الاستثمار في المياه والابتكار، وتنويع المحاصيل، ودعم المزارعين، وتشجيع الإنتاج المحلي.

فإذا كان الجفاف الحالي قد أدى إلى تراجع محاصيل بعينها، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تحوله إلى نمط متكرر يضعف قدرة القطاع الزراعي على التعافي بين موسم وآخر.

وبالتالي، فإن حماية الأمن الغذائي البريطاني لن تتوقف على انتظار عودة الأمطار، وإنما ستتطلب بناء زراعة قادرة على العمل في مناخ أكثر حرارة وجفافًا، قبل أن يتحول تراجع المحاصيل من أزمة موسمية إلى مشكلة غذائية مزمنة.