الزيدي يوجّه رسالة حاسمة للميليشيات: العراق ليس منصة لاستهداف الجوار
بغداد – لم يكن الاجتماع الأمني الطارئ الذي ترأسه رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي مجرد متابعة لتطور أمني عابر، بل حمل رسالة سياسية وأمنية واضحة إلى الفصائل المسلحة الحليفة لإيران، مفادها أن الحكومة العراقية لن تسمح بتحويل أراضي البلاد إلى منصة لتهديد دول الجوار، وأن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى بيد الدولة وحدها.
وجاء موقف الزيدي بعد تقارير عن هجمات استهدفت دولا مجاورة انطلاقا من الأراضي العراقية، ليؤكد أن بغداد تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على استمرار تحرك الميليشيات خارج إطار الدولة، سواء على مستوى الأمن الداخلي أو علاقات العراق الإقليمية.
وشدد الزيدي خلال الاجتماع على “منع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار”، كما وجه بتشكيل لجنة أمنية مشتركة ووضع “آليات رادعة” تحول دون تكرار مثل هذه الحوادث، في إشارة غير مسبوقة إلى أن الحكومة لا تكتفي بإدانة التجاوزات، بل تسعى إلى منعها عبر إجراءات تنفيذية وأمنية.
ويحمل هذا الموقف أكثر من رسالة، أولها طمأنة دول الجوار بأن الحكومة العراقية تنأى بنفسها عن أي هجمات تنفذها جماعات مسلحة خارج منظومة الدولة، وأن بغداد حريصة على احترام مبادئ حسن الجوار وعدم السماح باستخدام أراضيها للإضرار بمحيطها الإقليمي، وأنها لن توفر مظلة لأي جهة تتجاوز الخطوط الحمراء الحكومية بقطع النظر عن الجهات السياسية التي قد تقف وراءها.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة إذا تعلق الأمر بالسعودية، التي أصبحت تمثل بالنسبة للعراق شريكا سياسيا واقتصاديا أساسيا، وتعوّل عليها بغداد في دعم جهودها لمعالجة أزماتها الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي في مجالات الطاقة والنقل والتنمية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء على المملكة أو غيرها من دول الخليج لا يهدد العلاقات الثنائية فحسب، بل يضع العراق أمام مخاطر سياسية واقتصادية قد تعرقل مسار انفتاحه العربي الذي عملت الحكومات العراقية المتعاقبة على ترسيخه خلال السنوات الأخيرة.
رسالة الزيدي تكتسب أهمية خاصة إذا تعلق الأمر بالسعودية، التي أصبحت تمثل بالنسبة للعراق شريكا سياسيا واقتصاديا أساسيا، وتعوّل عليها بغداد في دعم جهودها لمعالجة أزماتها الاقتصادية
كما يعكس خطاب الزيدي محاولة لتأكيد أن الحكومة هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في البلاد، في مواجهة الانطباع الذي ترسخ خلال سنوات بأن الفصائل المسلحة تمتلك هامشا واسعا من الاستقلالية، وأن الحكومات العراقية غالبا ما تضطر إلى مراعاة نفوذها السياسي والعسكري.
ولهذا تبدو التعليمات الصادرة إلى الأجهزة الأمنية بإنفاذ القانون وتعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب التأكيد على جاهزية القوات المسلحة لإحباط أي محاولة تستهدف دول الجوار، بمثابة إعلان عن تمسك الدولة باحتكار استخدام القوة، وإعادة تثبيت دور المؤسسات العسكرية والأمنية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بحماية السيادة وإدارة الملفات الأمنية.
ويأتي هذا التحرك أيضا في ظل متغيرات إقليمية متسارعة، أبرزها الحديث عن تشكيل تحالف دفاعي إقليمي يهدف إلى مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وما صاحبه من تلويحات بردود أكثر حزما ضد الجماعات المسلحة التي تستهدف دول المنطقة.
وتدرك بغداد أن استمرار الهجمات المنطلقة من أراضيها قد يضعها في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، أو يفتح الباب أمام ردود عسكرية قد تمس سيادتها، وهو سيناريو تحاول الحكومة تجنبه عبر إظهار قدرتها على ضبط الوضع الأمني ومنع أي طرف من فرض أجندته على الدولة.
ولا يقل أهمية عن ذلك البعد الداخلي، إذ يسعى الزيدي إلى تكريس صورة رئيس الوزراء بوصفه القائد الفعلي للمؤسسة الأمنية، والقادر على اتخاذ قرارات تتعلق بالأمن الوطني بعيدا عن ضغوط الفصائل أو الأحزاب المتحالفة معها داخل البرلمان.
وبذلك، لا يمثل الاجتماع الأمني الطارئ مجرد استجابة لحادث أمني، بل يعكس محاولة لإعادة رسم قواعد العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وإرسال رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن قرار استخدام القوة حكر على الدولة، وإلى الخارج بأن العراق لن يسمح بأن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منطلقا لاستهداف الدول الشقيقة والصديقة.