العراق يعول على صندوق التنمية لتسريع التحول الاقتصادي
في ظل الضغوط التي تفرضها تقلبات قطاع النفط لارتباطه بالأسواق والاستقرار الجيوسياسي والتحديات الإقليمية، تكثف الحكومة العراقية جهودها لتنويع مصادر الدخل وتحفيز الاستثمار في القطاعات غير النفطية عبر التعويل على صندوق التنمية الذي يحاول تحويل الفرص إلى واقع.
بغداد- كشف صندوق العراق للتنمية عن فرص استثمارية تصل قيمتها إلى حوالي 40 مليار دولار، تستهدف إنتاج سلع محليا بدلا من استيرادها، وهي محاولة أخرى من قبل الحكومة لتعزيز الناتج الإجمالي وتأمين عوائد مستدامة.
وتعكس الخطوة توجه الحكومة نحو إعادة هيكلة الاقتصاد وتقوية القطاعات غير النفطية، بالتوازي مع مواجهة الضغوط التي فرضتها التطورات الإقليمية وتراجع الإيرادات النفطية.
وأكد رئيس الصندوق محمد النجار في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء العراقية الرسمية الثلاثاء، أن الأموال المتاحة لدى الصندوق مخصصة للاستثمار الإنتاجي وليس للإنفاق التشغيلي.
محمد النجار: الصندوق لديه نموذج يولد دورة استثمارية مستدامة
وأوضح أن الصندوق يعتمد نموذجاً استثمارياً يقوم على تمويل مشاريع تحقق عوائد مالية، ثم إعادة توظيف هذه العوائد في مشاريع جديدة، بما يولد دورة استثمارية مستدامة تعزز الموارد المالية للدولة.
ويمثل الصندوق إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمد عليها الحكومة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، لاسيما في ظل عدم إقرار الموازنة العامة للعام الحالي، إلى جانب التحديات التي فرضتها التطورات الجيوسياسية وتراجع صادرات النفط عبر بعض المنافذ.
ويكافح العراق الذي شهد حروبا وفترة حصار طويلة منذ أكثر من أربعة عقود بحثا عن حلول تساعد في تحفيز أصحاب الأعمال على ضخ أموالهم في مشاريع تسهم في تخفيض مستوى البطالة وتضيّق دائرة الفقر وتدفع عجلة التنمية منذ الغزو الأميركي في 2003.
وأشار النجار إلى أن السياسات التنفيذية الخاصة بالصندوق اكتملت، وهي بانتظار اعتمادها من مجلس الإدارة الذي يرأسه رئيس الوزراء ويضم وزراء المالية والتخطيط والإعمار والإسكان، وذلك بعد إعادة تشكيل الحكومة خلال مايو الماضي.
وقال إن “فلسفة عمل الصندوق تختلف عن آليات الإنفاق الحكومي التقليدية، إذ تركز على الاستثمار وتحقيق العائد الاقتصادي بدلاً من تمويل المصروفات الجارية”.
ويكشف حجم الواردات الكبير الذي يعتمد عليه الاقتصاد في الوقت ذاته عن فرص استثمارية ضخمة يمكن استغلالها لإقامة صناعات محلية قادرة على تلبية الطلب الداخلي، بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويعزز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
ويرى النجار أن إحلال الواردات بالإنتاج المحلي، بالتعاون مع المستثمرين المحليين والأجانب، يمكن أن يسهم في توفير الآلاف من فرص العمل، ورفع القيمة المضافة للصناعة الوطنية، وتحفيز النشاط الاقتصادي في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.
40
مليار دولار يعتزم الصندوق استثماراها لتعزيز الإنتاج وتنويع الدخل وتقليص الاعتماد على النفط
وتأتي هذه الخطط في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات غير مسبوقة نتيجة التوترات الإقليمية، التي انعكست على إنتاج النفط والصادرات، المصدر الرئيس لإيرادات الدولة.
وبحسب تقديرات بنك ستاندرد تشارترد نقلتها بلومبيرغ الشرق، انخفض إنتاج العراق النفطي إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً مقارنة بمتوسط بلغ 4.3 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الأزمة.
كما تراجعت إيرادات صادرات النفط إلى نحو 1.1 مليار دولار في أبريل الماضي، مقارنة مع 6.8 مليار دولار في فبراير، وهو انخفاض حاد ألقى بظلاله على المالية العامة.
ويتوقع البنك أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنحو 15 في المئة خلال عام 2026، نتيجة انخفاض إنتاج النفط، في وقت لا تزال فيه العائدات النفطية تمثل قرابة 90 في المئة من إيرادات الحكومة، ما يبرز هشاشة هيكل الاقتصاد واعتماده الكبير على قطاع واحد.
ورفع ستاندرد تشارترد توقعاته لعجز الموازنة العراقية خلال هذا العام إلى 12.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع توقعات سابقة عند 6 في المئة، على أن يتراجع العجز إلى نحو 6 في المئة عام 2027 إذا تحسنت مستويات إنتاج النفط والصادرات.
وأسست بغداد صندوق العراق للتنمية في عام 2023 ليكون إحدى الأذرع الاستثمارية للحكومة، ويستهدف تمويل مشاريع إستراتيجية بالشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، مع التركيز على القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والصناعة والزراعة والطاقة والخدمات.
ويختلف الصندوق عن الصناديق السيادية التقليدية المعروفة لدى دول الخليج العربي، والتي تستثمر الفوائض المالية في الأسواق العالمية.
ويركز هذا الكيان بصورة أساسية على استثمار الأموال داخل الاقتصاد العراقي، بهدف تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع التنموية.
◄ اقتصاد العراق من المتوقع أن ينكمش بنحو 15 في المئة خلال 2026 نتيجة انخفاض إنتاج النفط
كما يعتمد على نموذج استثماري يهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة، بحيث يعاد استثمار الأرباح في مشاريع جديدة، وهو ما يحد من الاعتماد على التمويل الحكومي المباشر، ويوفر مورداً طويل الأجل لتمويل التنمية.
ويرى خبراء أن نجاح الحكومة في تحقيق أهدافها الاستثمارية والتنموية سيعتمد على أكثر من مجرد توفير التمويل، إذ يرتبط بقدرتها على تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الإطار القانوني الذي يحمي المستثمرين، إضافة إلى مكافحة الفساد وتسريع تنفيذ المشاريع.
ويمتلك العراق مقومات اقتصادية كبيرة، تشمل سوقاً محلية تتجاوز 45 مليون نسمة، وموارد طبيعية واسعة، وحاجة متزايدة إلى تطوير الصناعات التحويلية والبنية التحتية، وهي عوامل تجعل فرص الاستثمار جذابة إذا توفرت بيئة مستقرة.
وفي المقابل، لا تزال تحديات البيروقراطية وتقلبات الإيرادات النفطية وضعف الخدمات الأساسية، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية، تشكل عوامل قد تؤثر في سرعة تنفيذ الخطط الاستثمارية.
ومع ذلك، فإن إعلان فرص استثمارية بهذا الحجم يشير إلى توجه حكومي واضح نحو تحويل الاقتصاد من نموذج يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، يرتكز على الإنتاج المحلي والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.
وتظهر الحاجة بشكل ملح إلى مساعدة القطاع الخاص في عملية تمويل التنمية لتحقيق أهدافها في مواجهة التحديات المحلية والعالمية، لاسيما مع كثرة مشاكل الدولة وضعف قدرتها على تحقيق تطلعات المواطنين على النحو المطلوب.
ويجمع المحللون على أن ذلك يتطلب مناخ أعمال مستقرا وتشريعات وقوانين ملائمة، إضافة إلى مكافحة الفساد والبيروقراطية وتعزيز الشفافية والاستقرار الأمني.
وإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه الفرص إلى مشاريع قائمة، فقد تشكل بداية مرحلة جديدة تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة وتحقيق نمو أكثر استدامة على المدى الطويل.
