تبادل الضربات بين واشنطن وطهران يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة

تصاعد الضغوط العسكرية يضيق هامش الحلول الدبلوماسية.
الأحد 2026/07/19
معركة الاستنزاف تتصاعد

واشنطن- أنهت الولايات المتحدة، الأحد، الموجة الثامنة من ضرباتها الجوية على إيران، معلنة استهداف مواقع للمراقبة الساحلية ومنشآت للدفاع الجوي، وذلك بعد ساعات من إعلان مقتل جنديين أميركيين في الأردن وفقدان ثالث في هجوم نسبته واشنطن إلى إيران.

ولم يتأخر الرد الإيراني، إذ أعلن الجيش والحرس الثوري تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت قواعد وأصولا عسكرية أميركية في الكويت، فيما امتدت الهجمات إلى البحرين والأردن، بالتزامن مع تفعيل السعودية نظام الإنذار المبكر للمرة الأولى منذ أشهر.

وبذلك تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها “حرب الاستنزاف المتبادل”، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة الحرب على خصمه دون الانزلاق، حتى الآن، إلى مواجهة شاملة يصعب احتواء تداعياتها.

ويعكس تسلسل الضربات الأخيرة تحولا واضحا في طبيعة الصراع. فبعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على استهداف مواقع داخل إيران أو قواعد أميركية منفردة، بل توسعت لتشمل شبكة واسعة من الأهداف العسكرية والبنية اللوجستية في أنحاء الخليج.

دول الخليج تجد نفسها، في ظل هذا المشهد، أمام تحد غير مسبوق يتمثل في احتواء تداعيات الحرب، وحماية منشآتها الحيوية، وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية

ولا يقتصر هذا الاتساع الجغرافي على تحقيق مكاسب ميدانية، بل يحمل رسائل سياسية وعسكرية مفادها أن ساحات الاشتباك أصبحت مترابطة، وأن أي تصعيد في جبهة سيقابله رد في جبهة أخرى، بما يعزز منطق الردع المتبادل ويزيد في الوقت نفسه من احتمالات سوء التقدير.

وتسعى واشنطن، من خلال موجات الضربات المتلاحقة، إلى إضعاف القدرات الإيرانية المرتبطة بحماية السواحل ومضيق هرمز، فضلا عن استهداف البنية العسكرية للحرس الثوري باعتباره المسؤول الأول عن الهجمات على القوات الأميركية وحلفائها. كما تريد الإدارة الأميركية تأكيد أنها ما زالت تمسك بزمام المبادرة العسكرية، وأن الخسائر البشرية التي تكبدتها لن تدفعها إلى التراجع، بل إلى زيادة وتيرة عملياتها.

في المقابل، تبدو إيران متمسكة باستراتيجية مختلفة تقوم على توزيع الردود وعدم حصرها في جبهة واحدة. فبدلا من مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، تعتمد طهران على استهداف القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، مع توسيع دائرة الضغط لتشمل الدول التي تستضيف قوات أميركية أو توفر تسهيلات عسكرية لواشنطن.

ويوفر هذا النهج لإيران قدرة أكبر على إرباك خصومها ورفع كلفة الانتشار العسكري الأميركي، مع الاحتفاظ بهامش يسمح لها بتجنب مواجهة تقليدية واسعة قد لا تصب في مصلحتها.

ويكشف استهداف الكويت والبحرين والأردن، إلى جانب المؤشرات على اقتراب التهديد من السعودية، أن الصراع تجاوز الثنائية الأميركية – الإيرانية ليصبح تحديا مباشرا لمنظومة الأمن الخليجي بأكملها. فالدول الخليجية تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة تستضيف قواعد أميركية تمثل أهدافا محتملة، ومن جهة أخرى تحاول تجنب الانخراط المباشر في الحرب حفاظا على استقرارها الداخلي واقتصاداتها.

ويحمل تفعيل السعودية نظام الإنذار المبكر دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يعكس إدراكا متزايدا بأن الحرب باتت تقترب من المجال الأمني الحيوي للمملكة، حتى وإن لم تعلن الرياض تعرضها لأي هجوم مباشر.

كما يشير ذلك إلى أن أي تصعيد إضافي قد يفرض على السعودية ودول الخليج مراجعة إجراءاتها الدفاعية، وربما إعادة تقييم مستوى التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة.

◄ الاتساع الجغرافي لا يقتصر على تحقيق مكاسب ميدانية، بل يحمل رسائل سياسية وعسكرية مفادها أن ساحات الاشتباك أصبحت مترابطة

وفي الوقت ذاته، يواصل الطرفان توسيع نطاق المواجهة نحو البحر. فالولايات المتحدة تؤكد أن عملياتها تستهدف حماية الملاحة التجارية وإضعاف القدرات الإيرانية في مضيق هرمز، بينما ترى طهران أن واشنطن تسعى إلى فرض هيمنة عسكرية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومع استمرار استهداف السفن وفرض القيود على الحركة البحرية، يتحول مضيق هرمز تدريجيا إلى مركز الثقل في الصراع، بعدما أصبح التحكم فيه ورقة ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية على اليابسة.

وتبرز أهمية المضيق في كونه شريانا يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه يتجاوز حدود المنطقة ليؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

لذلك، لم تعد المواجهة مرتبطة بالأهداف العسكرية وحدها، بل أصبحت تمس مصالح القوى الاقتصادية الكبرى، وهو ما يفسر تصاعد الدعوات الدولية إلى الحفاظ على حرية الملاحة ومنع إغلاق المضيق أو فرض قيود على حركة السفن.

ورغم ارتفاع عدد الضحايا من الجانبين، فإن طبيعة العمليات العسكرية تشير إلى أن الطرفين ما زالا يفضلان إنهاك الخصم تدريجيا بدلا من خوض حرب حاسمة. فالولايات المتحدة توظف تفوقها الجوي والتكنولوجي لضرب البنية العسكرية الإيرانية، بينما تراهن طهران على إطالة أمد المواجهة، واستهداف القواعد العسكرية، وخلق ضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة عبر زيادة الخسائر البشرية ورفع كلفة الانتشار العسكري.

طبيعة العمليات العسكرية تشير إلى أن الطرفين يفضلان حتى الآن إنهاك الخصم تدريجيا دون مراعاة خطر اتساع مسرح العمليات

كما توحي المواقف الإيرانية الأخيرة، التي اعتبرت اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت فاقدا للمصداقية بعد استئناف الضربات الأميركية، بأن طهران لم تعد تراهن على عودة سريعة إلى التهدئة، بل تستعد لمواجهة قد تمتد لأسابيع أو حتى لأشهر.

في المقابل، تؤكد التصريحات الأميركية أن مقتل الجنود لن يؤدي إلى تغيير في الاستراتيجية العسكرية، بل إلى مزيد من العمليات الرامية إلى تقويض القدرات الإيرانية.

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى أن الطرفين دخلا فعليا مرحلة حرب استنزاف مفتوحة، لا يهدف فيها أي منهما إلى تحقيق نصر سريع بقدر ما يسعى إلى إنهاك خصمه عسكريا واقتصاديا وسياسيا.

ويمنح هذا النمط من الحروب مساحة أوسع للمناورات والردود المتبادلة، لكنه في الوقت ذاته يزيد من احتمالات وقوع خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع يصعب التحكم في مسارها.

وتجد دول الخليج نفسها، في ظل هذا المشهد، أمام تحد غير مسبوق يتمثل في احتواء تداعيات الحرب، وحماية منشآتها الحيوية، وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية. فكلما اتسعت رقعة الاستهدافات تقلص الفاصل بين الردع والانفجار، وأصبح احتواء الأزمة أكثر صعوبة.

وعليه، فإن الموجة الثامنة من الضربات الأميركية لا تمثل مجرد حلقة جديدة في تبادل الهجمات، بل تؤشر إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة وأمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على عودة قريبة إلى التهدئة، يبدو أن واشنطن وطهران تراهنان على استنزاف طويل الأمد أكثر من رهانهما على الحسم العسكري. غير أن هذا النمط من المواجهة، مهما بدا قابلا للإدارة، يبقى محفوفا بخطر الانزلاق نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث ميداني غير محسوب، وهو ما قد يحول حرب الاستنزاف إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود الطرفين، لتطال أمن الخليج ومصالح القوى الدولية، وتعيد رسم معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.

 

اقرأ أيضا:

   • الحرب التي لا تستطيع واشنطن تركها مفتوحة

   • أوهام "النصر" تجر إيران من اتفاق واعد إلى حرب أشد كلفة

   • الرحلات الإيرانية إلى صنعاء.. بوابة نفوذ تعيد إشعال التوتر في اليمن

   • تمرير السردية الإيرانية في وسائل الإعلام العربية يثير مخاوف أمنية

1