انتخابات فلسطين بعد 20 عامًا.. تجديد للشرعية مشوب بمحاذير

القدس وغزة والانقسام الداخلي تضع الاستحقاق الانتخابي أمام التحديات.
الجمعة 2026/07/10
الطريق مليء بالتحديات

الحرب المستمرة في غزة، والانقسام بين الضفة الغربية والقطاع، والقيود الإسرائيلية على القدس، كلها عوامل تجعل الانتخابات اختبارًا لقدرة الفلسطينيين على إعادة إنتاج شرعية سياسية جديدة، أكثر من كونها منافسة انتخابية تقليدية. ولذلك فإن نجاح هذا الاستحقاق لن يقاس بمجرد فتح صناديق الاقتراع، بل بقدرته على إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وتوفير قيادة تتمتع بشرعية.

رام الله- أعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ملف الانتخابات إلى صدارة المشهد السياسي بإصداره مرسوما حدد الثامن والعشرين من نوفمبر 2026 موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية، في أول خطوة عملية لإحياء المؤسسات المنتخبة منذ انتخابات عام 2006، في محاولة تبدو أقرب إلى إعادة تشغيل النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام.

ويحمل القرار دلالات تتجاوز البعد الدستوري، إذ يأتي في لحظة تتعرض فيها السلطة الفلسطينية لضغوط داخلية وخارجية متزايدة من أجل إصلاح مؤسساتها وتعزيز شرعيتها، بينما تواجه القضية الفلسطينية تحولات غير مسبوقة فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وما ترتب عليها من تغيرات سياسية وإنسانية وأمنية.

كما يأتي المرسوم بعد شهر من إدخال تعديلات على قانون الانتخابات العامة، تضمنت رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وخفض سن الترشح إلى 23 عاما، وتقليص نسبة الحسم إلى واحد في المئة، إلى جانب تعزيز تمثيل المرأة داخل القوائم الانتخابية.

عادل شديد: القضية الأساسية لا تتعلق بإجراء الانتخابات بحد ذاتها، وإنما بالإطار السياسي الذي ستجري في ظله

ورغم أن هذه التعديلات تعكس توجها نحو توسيع قاعدة المشاركة السياسية، فإنها لا تبدد المخاوف المرتبطة بالبيئة التي ستجرى فيها الانتخابات، في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، وعدم وضوح مستقبل قطاع غزة، واستمرار الموقف الإسرائيلي الرافض لإجراء الانتخابات في القدس الشرقية.

ولا تبدو الانتخابات المقبلة مجرد محاولة لاختيار مجلس تشريعي جديد، بل تمثل اختبارا لإمكانية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الذي فقد جزءا كبيرا من حيويته منذ الانقسام عام 2007، وتعطل عمل المجلس التشريعي، ثم حله بقرار رئاسي عام 2018، فضلا عن إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة عام 2021 بسبب الخلاف حول مشاركة القدس.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية رائد نعيرات أن توقيت إصدار المرسوم يرتبط مباشرة بالتحولات السياسية المحيطة بالسلطة الفلسطينية، أكثر من ارتباطه بتغيرات داخلية فقط.

ويقول إن السلطة الفلسطينية تسعى إلى إظهار استعدادها للاستجابة لمطالب الإصلاح التي أصبحت شرطا متكررا في الخطابين الأميركي والأوروبي المتعلقين بمستقبلها، خاصة مع تصاعد النقاشات بشأن إعادة تفعيل مؤسساتها ودورها في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.

ويضيف أن الانتخابات تمثل أكثر أدوات الإصلاح وضوحا، لأنها تمنح المؤسسات الفلسطينية شرعية متجددة، وهو ما قد يعزز موقف السلطة في الملفات المرتبطة بالدعم المالي، وأموال المقاصة، ومستقبل العلاقة مع المجتمع الدولي.

لكن نعيرات يلفت في المقابل إلى أن البيئة السياسية الفلسطينية ما زالت بعيدة عن التوافق الوطني المطلوب لإنجاح هذا الاستحقاق.

ويشير إلى أن قطاعات واسعة من الفلسطينيين تنظر إلى الأولويات بصورة مختلفة في ظل استمرار الحرب، وما خلفته من دمار واسع وأزمات إنسانية، الأمر الذي قد يجعل الانتخابات قضية سياسية مهمة، لكنها ليست بالضرورة القضية الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى الشارع الفلسطيني.

ويؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم الانتخابات، وإنما في كيفية إدارة نتائجها إذا أفرزت موازين قوى جديدة، أو أعادت إنتاج الانقسام القائم بصورة مختلفة.

ويذهب مراقبون إلى أن التجربة الفلسطينية خلال العقدين الماضيين أثبتت أن الانتخابات وحدها لا تكفي لبناء نظام سياسي مستقر، إذا لم تكن جزءا من تفاهم وطني شامل يحسم قواعد الشراكة السياسية وآليات تقاسم السلطة واحترام نتائج الاقتراع.

رائد نعيرات: توقيت إصدار المرسوم يرتبط مباشرة بالتحولات السياسية المحيطة بالسلطة الفلسطينية، أكثر من ارتباطه بتغيرات داخلية فقط

ومن زاوية أخرى، يرى الخبير السياسي جهاد حرب أن العقبات الميدانية قد تكون أكثر تعقيدا من التحديات السياسية.

ويقول إن القدس الشرقية تمثل الاختبار الأول، في ظل حكومة إسرائيلية يمينية لا تبدو مستعدة لتقديم أي تسهيلات تسمح بإجراء الانتخابات داخل المدينة، وهو ما قد يعيد إنتاج الأزمة التي أدت إلى تأجيل انتخابات عام 2021.

أما التحدي الثاني فيتعلق بقطاع غزة، الذي ما زال يواجه أوضاعا استثنائية نتيجة الحرب، سواء على مستوى البنية التحتية أو النزوح الواسع أو طبيعة الإدارة المدنية والأمنية، بما يجعل تنظيم عملية انتخابية شاملة يتطلب ترتيبات سياسية وفنية معقدة خلال فترة زمنية محدودة.

ويشير حرب إلى أن تحديث السجل الانتخابي، وإعادة تحديد مراكز الاقتراع، وضمان وصول الناخبين، وتأمين العملية الانتخابية، كلها ملفات تحتاج إلى توافقات سياسية وإدارية لا تقل أهمية عن قرار إجراء الانتخابات نفسه.

ورغم هذه العقبات يؤكد أن أي شرعية جديدة ستظل أفضل من استمرار الوضع القائم، لأن إعادة انتخاب المؤسسات الفلسطينية تمنح النظام السياسي فرصة لاستعادة جزء من ثقته الداخلية والخارجية.

ويعتبر أن مشاركة مختلف الفصائل الفلسطينية تمثل شرطا أساسيا لإنجاح العملية، لأن أي مقاطعة واسعة ستضعف شرعية النتائج، وتعيد إنتاج حالة الانقسام بدلا من معالجتها.

ويذهب إلى أن وجود مجلس تشريعي منتخب يمثل الضفة الغربية وقطاع غزة قد يشكل خطوة أولى نحو استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ومنع تكريس الانفصال بين الجانبين.

بدوره، يرى الخبير عادل شديد أن القضية الأساسية لا تتعلق بإجراء الانتخابات بحد ذاتها، وإنما بالإطار السياسي الذي ستجري في ظله.

ويقول إن نجاح الانتخابات يتوقف على مدى انفتاحها أمام جميع القوى الفلسطينية، سواء في الترشح أو المنافسة، محذرا من أن فرض شروط سياسية مسبقة على بعض الأطراف قد يحول الانتخابات إلى عملية إجرائية تفتقر إلى الإجماع الوطني.

كما يشدد على أن الانتخابات ستفقد جزءا كبيرا من قيمتها السياسية والوطنية إذا لم تشمل القدس الشرقية وقطاع غزة، لأن أي استحقاق انتخابي لا يغطي كامل الجغرافيا الفلسطينية سيبقى عرضة للتشكيك في تمثيله الوطني.

التحدي الأكبر هو تحويل نتائج الانتخابات إلى مدخل لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، لا إلى محطة جديدة لتكريس الانقسام

ويرى أن الإصرار على إجراء الانتخابات في القدس لا يحمل بعدا إجرائيا فقط، بل يمثل أيضا رسالة سياسية تؤكد تمسك الفلسطينيين بحقهم في المدينة، وتضع إسرائيل أمام اختبار جديد حيال المجتمع الدولي.

وتكشف مجمل هذه المعطيات أن الانتخابات المقبلة تقف عند تقاطع ثلاثة تحديات كبرى؛ أولها إعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الجمود، وثانيها معالجة آثار الانقسام الذي عطّل المؤسسات منذ عام 2007، وثالثها مواجهة القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على العملية الديمقراطية الفلسطينية.

وفي ضوء ذلك، تبدو الانتخابات محطة مفصلية في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني، لكنها ليست نهاية الأزمة. فنجاحها لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو عدد المقاعد التي ستحصل عليها الفصائل، وإنما بقدرتها على إنتاج نظام سياسي أكثر تماسكا، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على الشراكة الوطنية في مواجهة تحديات الاحتلال وإعادة إعمار غزة واستحقاقات المرحلة المقبلة. فالتصويت قد يجدد الشرعية، لكنه وحده لا يصنع التوافق، ولا ينهي الانقسام، ما لم تسبقه أو ترافقه إرادة سياسية حقيقية لترميم البيت الفلسطيني.

2