هل ينجح بري في إنقاذ حزب الله عبر بوابة احتواء الانقسام اللبناني؟
لم يعد الجدل الدائر في لبنان بشأن الاتفاق الإطاري مع إسرائيل يقتصر على بنوده أو آليات تنفيذه، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل الدولة اللبنانية. ففي الوقت الذي ترى فيه المؤسسات الرسمية أن الاتفاق يفتح الباب أمام استعادة الدولة سيادتها الكاملة، ينظر إليه حزب الله باعتباره تهديدا مباشرا لدوره العسكري والسياسي. وبين هذين المسارين، يتحرك رئيس مجلس النواب نبيه بري لاحتواء الانقسام الداخلي، في محاولة تعيد إلى الأذهان أدواره السابقة في إخراج الحزب من أزماته.
بيروت - لم تكن دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تفويت الفرصة على الفتنة مجرد موقف أخلاقي أو دعوة تقليدية إلى التهدئة، بل جاءت باعتبارها أول محاولة سياسية جدية لاحتواء التداعيات الداخلية التي أطلقها الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، في لحظة يجد فيها حزب الله نفسه أمام مأزق غير مسبوق، بعدما انتقلت الضغوط عليه من ساحات المواجهة العسكرية مع إسرائيل إلى قلب المعادلة السياسية اللبنانية.
فالحزب الذي اعتاد إدارة أزماته عبر تحويلها إلى مواجهات خارجية، أصبح هذه المرة يواجه أزمة داخلية تتعلق بموقعه في النظام اللبناني نفسه. ولم يعد النقاش يدور حول حدود المواجهة مع إسرائيل، بل حول مستقبل سلاحه ودوره العسكري والسياسي، وهو ما يفسر سرعة تدخل بري، الذي طالما لعب دور رجل الإطفاء عندما يدخل الحزب في أزمات يصعب عليه الخروج منها منفردا.
وليس جديدا أن يتقدم بري الصفوف عندما تتعقد حسابات حزب الله. فمنذ سنوات طويلة لعب رئيس البرلمان دور الوسيط المقبول داخليا وخارجيا، بما يسمح للحزب بالحفاظ على مساحة للمناورة دون الظهور بمظهر المتراجع أو المهزوم. وفي كل محطة مفصلية، كان بري يوفر للحزب مخرجا سياسيا يخفف من كلفة خياراته العسكرية.
وليست هذه المرة الأولى التي يتدخل فيها بري لاحتواء تداعيات أزمة يواجهها حزب الله، إذ تحول على مدى أكثر من عقدين إلى الواجهة السياسية التي تتولى إدارة الأزمات التي يعجز الحزب عن معالجتها منفردا. ففي أعقاب حرب يوليو/تموز 2006، لعب بري دورا محوريا في تسويق وقف إطلاق النار داخليا، وقدم نفسه شريكا للدولة في تنفيذ القرار 1701، بما ساعد حزب الله على تجنب ضغوط كانت تستهدف نزع سلاحه مباشرة بعد الحرب. وبعد أحداث السابع من مايو/أيار 2008، عندما سيطر الحزب عسكريا على أجزاء من بيروت، كان بري من أبرز مهندسي احتواء تداعيات تلك المواجهة، وساهم في تهيئة المناخ الذي قاد إلى اتفاق الدوحة، الذي منح الحزب مكاسب سياسية مقابل إنهاء التصعيد.
بري يعود إلى لعب دوره التقليدي كصمام أمان لحزب الله، لكن إسرائيل تبدو أقل استعدادا للسماح بإعادة إنتاج الحزب تحت أي صيغة سياسية جديدة.
وتكرر الدور نفسه خلال الأزمات الحكومية المتعاقبة، إذ كان بري يتولى التفاوض مع القوى السياسية العربية والدولية عندما يصبح حزب الله في موقع يصعب عليه التواصل المباشر بسبب تصنيفه أو بسبب حساسية مواقفه. كما لعب دور الوسيط في مراحل التوتر مع دول الخليج، وساهم في تمرير تسويات رئاسية وحكومية جنبت الحزب الدخول في عزلة سياسية كاملة.
ولا يعني ذلك أن بري كان مجرد غطاء سياسي للحزب، بل إن العلاقة بين الطرفين قامت على توزيع واضح للأدوار؛ يتولى حزب الله إدارة ملفات القوة العسكرية والإقليمية، بينما يتكفل بري بإدارة التوازنات اللبنانية وفتح قنوات الحوار مع الخصوم، بما يخفف الكلفة السياسية التي تترتب على خيارات الحزب.
لكن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها، لأنها لا تتعلق فقط بكيفية إنهاء مواجهة مع إسرائيل، وإنما بإعادة تعريف قواعد اللعبة داخل لبنان نفسه.
فالجدل الذي انفجر عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري كشف أن الانقسام لم يعد محصورا بين مؤيدي المقاومة ومعارضيها، بل أصبح يدور حول سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع لبنان استعادة احتكار الدولة للسلاح، أم أن الحزب سيتمكن مرة أخرى من إعادة تدوير وضعه العسكري تحت عناوين جديدة؟
لهذا السبب جاءت رسالة بري موجهة إلى الداخل أكثر منها إلى الخارج. فهو يدرك أن أي انفجار داخلي سيجعل الحزب يخسر ما تبقى من شرعيته الوطنية، ويحول النقاش حول الاتفاق إلى مواجهة أهلية سياسية قد تتطور إلى ما هو أخطر.
وفي المقابل، اختار الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم التصعيد، معتبرا الاتفاق “مذلا”، ورافضا ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الحزب، بل ذهب إلى حد المطالبة بتطبيق مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية باعتبارها المرجعية الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية.
فبينما يسعى بري إلى إعادة النقاش إلى الإطار اللبناني ومحاولة منع الانقسام الداخلي، أعاد قاسم ربط الملف اللبناني مباشرة بالتفاهمات الإيرانية – الأميركية، وهو ما عزز الاتهامات الموجهة للحزب بأنه لا ينظر إلى مستقبل لبنان باعتباره قضية وطنية مستقلة، وإنما باعتباره جزءا من شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية.
وهذا ما يفسر أيضا الترحيب الرسمي اللبناني بالاتفاق، مقابل رفض حزب الله له.
فالرئيس جوزيف عون والحكومة ينظران إلى الاتفاق باعتباره بداية لاستعادة الدولة سيادتها على الجنوب، بينما ينظر إليه الحزب باعتباره مقدمة لنزع آخر عناصر قوته العسكرية.
وتكمن أهمية تدخل بري في أنه يحاول منع انتقال هذا الخلاف إلى الشارع، بعدما بدأت بالفعل بوادر الاحتجاجات وقطع الطرق وإحراق الإطارات، وهي مؤشرات تثير مخاوف من انقسام داخلي أوسع إذا استمر التصعيد السياسي.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بقدرة بري على تهدئة الأجواء، وإنما بحدود ما يستطيع تحقيقه سياسيا.
فالظروف التي كانت تسمح سابقا بإنتاج تسويات تحفظ ماء وجه جميع الأطراف لم تعد قائمة كما كانت.
فالجيش اللبناني يوجد اليوم في وضع مختلف نسبيا، ويحظى بدعم أميركي وغربي وعربي غير مسبوق لتعزيز انتشاره في الجنوب وتوسيع نطاق مسؤوليته الأمنية. وللمرة الأولى منذ سنوات، تبدو المؤسسة العسكرية أمام فرصة عملية لترجمة شعار حصر السلاح بيد الدولة إلى إجراءات ميدانية، مستفيدة من تراجع قدرة حزب الله على فرض معادلاته السابقة.
الجدل الذي انفجر عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري كشف أن الانقسام لم يعد محصورا بين مؤيدي المقاومة ومعارضيها، بل أصبح يدور حول سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع لبنان استعادة احتكار الدولة للسلاح
كما أن المؤسسة الرئاسية والحكومة، رغم ما تعانيانه من ضعف وهشاشة، أصبحتا تتحركان ضمن مظلة دولية تشجع على تعزيز سلطة الدولة، وهو ما يمنحهما هامشا لم يكن متاحا في السابق.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يبدو محسوما.
فبري يدرك أن الانتقال السريع نحو نزع سلاح الحزب قد يدفع البيئة الشيعية إلى الشعور بأنها مستهدفة، وهو ما قد يعيد إنتاج الانقسام الأهلي بصورة أكثر خطورة. ولذلك يسعى إلى إدارة عملية انتقال تدريجية تمنع انهيار التوازنات الداخلية.
غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطا بعامل خارجي أكثر حسما، يتمثل في الموقف الإسرائيلي.
فإسرائيل أوضحت بلسان رئيس وزرائها أنها لن تنسحب بالكامل قبل التأكد من زوال التهديد الذي يمثله حزب الله، وهو ما يعني أنها لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره مدخلا لإعادة تأهيل الحزب سياسيا مقابل تنازلات شكلية، بل باعتباره فرصة لإحداث تغيير بنيوي في ميزان القوى داخل لبنان.
ومن هنا تبرز معضلة جديدة.
فإذا كان الاتفاق الأميركي – الإيراني قد وفر أرضية لإطلاق التفاهمات الخاصة بلبنان، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن إسرائيل مستعدة للقبول بعودة إيران إلى الساحة اللبنانية عبر نافذة جديدة.
بل إن القراءة الإسرائيلية السائدة تبدو أقرب إلى اعتبار اللحظة الحالية فرصة استراتيجية لتقليص النفوذ الإيراني في لبنان بصورة دائمة، وليس مجرد إعادة تنظيمه.
ولهذا تبدو هوة التوقعات واسعة بين الأطراف.
فإيران وحزب الله يسعيان إلى الحفاظ على الحد الأدنى من عناصر الردع والنفوذ السياسي، بينما تسعى إسرائيل إلى إنهاء هذا النموذج بالكامل، في حين تحاول الدولة اللبنانية الاستفادة من الظرف الدولي لإعادة بناء احتكارها الشرعي للقوة.
وسط هذه التناقضات، يتحرك بري محاولا شراء الوقت واحتواء الانقسام، إدراكا منه أن الانفجار الداخلي سيكون الخسارة الأكبر للجميع.
لكن مهمة بري تبدو هذه المرة مختلفة عن كل المحطات السابقة. ففي الأزمات الماضية كان المطلوب احتواء تداعيات قرار اتخذه حزب الله، أما اليوم فإن المطلوب هو إدارة مرحلة قد تعيد رسم موقع الحزب نفسه داخل الدولة اللبنانية.
ولذلك لن يكون نجاح مبادرته مرتبطا فقط بقدرته على منع الانقسام الداخلي، وإنما أيضا بمدى استعداد حزب الله للتكيف مع موازين قوى جديدة، وبمدى قبول إسرائيل والولايات المتحدة بأي صيغة تبقي للحزب نفوذا عسكريا أو أمنيا بعد الاتفاق. وإذا كانت تسويات الماضي نجحت في شراء الوقت، فإن المعركة الحالية تبدو أقرب إلى معركة على شكل لبنان المقبل، وعلى ما إذا كان سيكون دولة تحتكر السلاح، أم ساحة تستمر فيها ازدواجية السلطة والنفوذ.