كيف كسرت الإمارات قواعد اللعبة الثلاث؟
في العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الدول بحجم جيوشها فقط، ولا بقدرتها على حماية حدودها فحسب، بل على قوة إرادتها ومدى قدرتها على إعادة تعريف البيئة الإستراتيجية المحيطة بها. فالدول الساكنة تتكيف مع التوازنات القائمة، أما الدول الفاعلة فتسعى إلى إعادة تشكيل تلك التوازنات بما يخدم مصالحها ويزيد من هامش حركتها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التجربة الإماراتية خلال العقد الأخير. فما قامت به أبوظبي لم يكن مجرد سلسلة من المبادرات السياسية أو المشاريع الاقتصادية أو الترتيبات الأمنية المنفصلة، بل مشروعًا متكاملاً لإعادة صياغة موقع الدولة في النظام الإقليمي. مشروع يمكن وصفه بأنه أحد أكثر تطبيقات الواقعية الهجومية تطورًا في الشرق الأوسط.
فالواقعية الهجومية لا تعني السعي إلى الحرب، كما يُساء فهمها أحيانًا، بل تعني السعي المستمر إلى تعظيم القوة، وتقليص خيارات الخصوم، وتوسيع هامش المبادرة أمام الدولة. وهي تقوم على فرضية بسيطة مفادها أن أفضل وسيلة لحماية المصالح الوطنية ليست انتظار التهديدات حتى تقع، بل إعادة تشكيل البيئة المحيطة بحيث تصبح تلك التهديدات أقل قدرة على التأثير.
التجربة الإماراتية لم تكتفِ بحماية الواقع بل أعادت تشكيله وحولت الردع إلى دبلوماسية والتحالفات إلى أدوات نفوذ والجغرافيا إلى عنصر قوة يعيد تعريف الممكن
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الإمارات كسرت قواعد اللعبة الإقليمية ثلاث مرات خلال هذا العقد.
المرة الأولى كانت سياسية. فحين وقّعت الاتفاق الإبراهيمي، لم تكن تتحرك داخل السياق التقليدي للصراع العربي–الإسرائيلي، بل كانت تخرج منه. لم تنتظر تغير البيئة الإقليمية حتى تتخذ قرارها، بل سعت إلى تغيير البيئة نفسها. لقد أدركت أن النفوذ لا يُبنى فقط عبر إدارة الأزمات، بل عبر خلق مسارات جديدة تجعل الأزمات القديمة أقل قدرة على التحكم بالمستقبل.
بهذا المعنى لم يكن الاتفاق الإبراهيمي مجرد اتفاق سلام، بل كان عملية إعادة تموضع استراتيجية رفعت من القيمة الجيوسياسية للإمارات، ووسعت شبكة تحالفاتها، ومنحتها مساحة أكبر للتأثير في التوازنات الإقليمية والدولية. أما المرة الثانية فكانت أمنية. فخلال السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التهديدات الإقليمية، اختارت الإمارات بناء نموذج مختلف للأمن الوطني. لم تعتمد على فكرة الاحتماء بالتوازنات الدولية، بل على بناء عناصر قوة ذاتية تجعل تكلفة استهدافها مرتفعة على أي طرف يفكر في ذلك. وفي هذا السياق برزت معادلة جديدة في المنطقة: القوة ليست نقيض الدبلوماسية، بل شرطها. فالخبرة التاريخية للعلاقات الدولية تثبت أن المفاوضات لا تبدأ عندما يكتشف الخصوم فضائل السلام، بل عندما يقتنعون بأن تكلفة الصراع أصبحت أعلى من مكاسبه. ولذلك فإن الردع لا يهدف إلى خوض الحروب، بل إلى تغيير حسابات الآخرين قبل وقوعها. والرسالة التي أرسلتها الإمارات خلال هذه المرحلة في سياق الحرب الأخيرة لم تكن موجهة إلى إيران وحدها، بل إلى كامل الإقليم. مضمون الرسالة أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، وأن الدولة التي تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحها والرد على التهديدات لم تعد مضطرة للقبول بمعادلات يفرضها الآخرون عليها. كانت تلك لحظة انتقال من دبلوماسية تبحث عن التهدئة إلى دبلوماسية تنطلق من موقع القوة، ومن سياسة احتواء التهديد إلى سياسة رفع كلفة التهديد نفسه.
الواقعية الهجومية لا تعني السعي إلى الحرب كما يُساء فهمها أحيانًا بل تعني السعي المستمر إلى تعظيم القوة وتقليص خيارات الخصوم وتوسيع هامش المبادرة أمام الدولة
لكن التحول الأكثر عمقًا لم يكن سياسيًا أو أمنيًا، بل جغرافيًا. ففي العادة تُعامل الجغرافيا باعتبارها قدرًا ثابتًا تتحرك الدول داخله. أما الإمارات فاختارت التعامل معها باعتبارها متغيرًا يمكن إعادة تشكيله. لقد أدركت الإمارات مبكرًا أن أحد عناصر القوة في الخليج يتمثل في السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وأن أي دولة تربط أمنها الاقتصادي بمسار جغرافي واحد تظل عرضة للمخاطر مهما بلغت قوتها. ومن هنا جاء التوجه الاستراتيجي نحو الساحل الشرقي للدولة. فالفجيرة وخورفكان ودبا لم تعد مجرد مدن أو موانئ، بل أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لإعادة توزيع الثقل الاقتصادي واللوجيستي خارج أي نقاط اختناق محتملة. ما يحدث هناك ليس مجرد توسع عمراني أو اقتصادي، بل إعادة رسم للخريطة الجيواقتصادية للدولة. إنه انتقال تدريجي من الاعتماد على الجغرافيا التقليدية إلى صناعة جغرافيا استراتيجية جديدة تمنح الإمارات خيارات أوسع وقدرة أكبر على المناورة. وفي الوقت نفسه أطلقت الدولة الخط الملاحي أبوظبي–الشام كممر لوجيستي استراتيجي يربط الخليج بعمقه العربي عبر العراق والأردن وسوريا وغيرها، بما يعيد تشكيل مسارات التجارة وحركة النفوذ في المنطقة.
وهنا تتجلى أعلى درجات الواقعية الهجومية؛ فالدولة لم تعد تكتفي بحماية الجغرافيا التي تملكها، بل أصبحت تعيد هندسة قيمة تلك الجغرافيا نفسها.
ختامًا، تكمن خصوصية التجربة الإماراتية في أنها لم تستخدم القوة لحماية الواقع القائم، بل استخدمتها لإعادة تشكيله. فهي لم تكتفِ ببناء الردع، بل حولته إلى أداة دبلوماسية. ولم تكتفِ بعقد التحالفات، بل استخدمتها لإعادة رسم التوازنات. ولم تكتفِ بالاستفادة من الجغرافيا، بل شرعت في إعادة هندستها. ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد صعود نفوذ دولة، بل صعود مدرسة سياسية جديدة في المنطقة، مدرسة تقوم على أن القوة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإعادة تعريف الممكن، وتوسيع هامش الحركة، وصناعة واقع جديد قبل أن يصنعه الآخرون.