الاتفاق الملغز: ما الذي تخفيه إدارة ترامب عن الخليج؟

السؤال الأكثر إحراجا يتمثل في سبب خوض الحرب أصلا إذا كانت نهايتها ستقود إلى التفاوض على إعادة فتح مضيق كان مفتوحا أساسا ومن دون رسوم أو شروط مسبقة.
الأربعاء 2026/06/17
عاصفة في فنجان

لا تبدو التفاهمات التي يجري الحديث عنها بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى اتفاق حاسم ينهي أسباب التوتر في الخليج والشرق الأوسط، بقدر ما توحي بأنها محاولة أميركية للخروج من المواجهة بأقل الخسائر الممكنة، حتى وإن تطلب ذلك تقديم تنازلات إستراتيجية لطهران قد تعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدا في المستقبل، في وقت لا يعرف الخليجيون فيه سر الصمت الأميركي، وأي موقع لهم في الاتفاق، وهل وضعت إدارة ترامب أمنهم القومي ضمن حساباتها؟

لكن، لماذا التكتم الأميركي عن صيغة الاتفاق فيما تعرض طهران مسودة تقول إنها دليل على أن “أميركا أُجبرت على التوقيع لإنهاء الحرب”.

حتى الآن، لا توجد رواية أميركية واضحة ومتكاملة بشأن الاتفاق المرتقب، بينما تتصدر الرواية الإيرانية المشهد بالكامل، سواء عبر التسريبات الإعلامية أو عبر ما تنشره وكالات مقربة من الحرس الثوري، وهو ما يثير شكوكا واسعة حول طبيعة البنود الحقيقية التي جرى التفاهم عليها في الكواليس.

وتبدو مسألة مضيق هرمز الاختبار الأهم لفهم حقيقة النوايا الإيرانية والأميركية على حد السواء. فلا أحد يعرف حتى الآن كيف ستتم إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية، وهل سيعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب بشكل تلقائي ومن دون شروط، أم أن الأمر سيتم تدريجيا وفق ترتيبات تمنح إيران حق الرقابة والفرز وفرض شروط أو رسوم على ما تعتبره “سفنا معادية”.

وهنا تحديدا تكمن المخاوف الخليجية والدولية، لأن أي صيغة تمنح إيران دورا مباشرا في تنظيم الملاحة داخل المضيق الحيوي تعني عمليا شرعنة نفوذها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتحويل ما كان تهديدا عسكريا إلى نفوذ سياسي واقتصادي معترف به ضمنيا.

وتزداد هذه المخاوف مع ما تحدثت عنه وكالة فارس الإيرانية بشأن إدخال تعديلات في اللحظات الأخيرة على مسودة الاتفاق، تنص صراحة على دور مشترك لإيران وسلطنة عُمان في تحديد مستقبل خدمات الملاحة في مضيق هرمز. وإذا صح ذلك، فإن المسألة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار أو ضمان حرية الملاحة، لتتحول إلى إعادة صياغة موازين النفوذ في الخليج.

حتى الآن لا توجد رواية أميركية واضحة بشأن الاتفاق بينما تتصدر الرواية الإيرانية المشهد بالكامل سواء عبر التسريبات الإعلامية أو عبر ما تنشره وكالات مقربة من الحرس الثوري

كما تطرح التسريبات الإيرانية أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالشق المالي والاقتصادي للاتفاق. فهل قبلت إدارة ترامب بتمكين إيران من جزء من أموالها المجمدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما المقابل الحقيقي لهذا التنازل؟

ذلك أن السؤال الأكثر إحراجا يتمثل في سبب خوض الحرب أصلا إذا كانت نهايتها ستقود إلى التفاوض على إعادة فتح مضيق كان مفتوحا أساسا، ومن دون رسوم أو شروط مسبقة. وهو ما يجعل البعض يرى أن واشنطن ربما انتقلت من هدف “تغيير السلوك الإيراني” إلى هدف أكثر تواضعا يتمثل فقط في منع الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة داخليا وخارجيا.

ويزيد من هذه الشكوك امتناع إدارة ترامب حتى الآن عن نشر النسخة الرسمية للاتفاق المزمع توقيعه، وهو أمر نادر في اتفاقات بهذا الحجم والحساسية. فالتكتم الأميركي قد يعني أن هناك تنازلات لا ترغب الإدارة في ظهورها للرأي العام الأميركي، خاصة إذا تعلقت بتخفيف العقوبات أو الإفراج التدريجي عن الأموال الإيرانية المجمدة.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن ضخ أموال جديدة في الاقتصاد الإيراني لا يعني فقط تخفيف الأزمة الاقتصادية الداخلية، بل قد يؤدي أيضا إلى إعادة تنشيط البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو البرنامج الذي كان يفترض أن الحرب استهدفت الحد من قدراته أو تفكيكه.

كما أن إعادة تدفق الأموال ستعني عمليا إعادة تمويل الأذرع الإقليمية المرتبطة بطهران، وعلى رأسها حزب الله والفصائل المسلحة المنتشرة في أكثر من ساحة عربية. وربما يفسر ذلك الحديث عن أن الاتفاق يشمل أيضا تهدئة أو ترتيبات خاصة بالحرب في لبنان.

واللافت أكثر أن المسودة الإيرانية المسربة تتحدث بوضوح عن استبعاد برنامج الصواريخ الإيراني ودعم “جماعات المقاومة” من المفاوضات النهائية، بما يعني أن واشنطن قد تكون قبلت عمليا بفصل النفوذ الإقليمي الإيراني عن الملف النووي، أي الاعتراف الضمني باستمرار المشروع الإيراني في المنطقة مقابل تنازلات مرتبطة فقط بالشق النووي.

وهنا يبرز سؤال جوهري يتعلق بالرؤية الأميركية لمستقبل الشرق الأوسط: هل ترى واشنطن أن استمرار حالة الفوضى الأمنية ووجود الأذرع المسلحة الإيرانية يوفران بيئة تسمح بإدارة التوازنات الإقليمية والتحكم فيها؟ أم أن الأمر يعكس في النهاية تأثيرا إسرائيليا يدفع نحو إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم تبرر التدخلات العسكرية المتواصلة في غزة ولبنان وربما في ساحات أخرى لاحقا؟

وفي خضم كل ذلك، يبدو الغياب الخليجي عن الاتفاق أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق. فدول الخليج، رغم أنها الطرف الأكثر تضررا من أي تصعيد إيراني في المنطقة، لم تكن شريكا مباشرا في صياغة التفاهمات، وحتى قطر اقتصر دورها على الوساطة لا على المشاركة كطرف معني بالضمانات الأمنية والسياسية.

ويعطي هذا الانطباع بأن واشنطن لا تضع المطالب الخليجية في صلب أولوياتها، وأن الهدف الأميركي الأساسي يتمثل في احتواء المواجهة مع إيران بأقل كلفة ممكنة، حتى لو جاء ذلك على حساب المخاوف الخليجية المتعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والفصائل الوكيلة.

كما أن تحييد الخليج عن التفاهمات يفتح الباب نظريا أمام استمرار أدوات الضغط الإيرانية ضد دول المنطقة، سواء عبر الفصائل المسلحة أو عبر الخطاب السياسي والإعلامي القائم على التخوين والتحريض واتهام الحكومات الخليجية بالتبعية والعمالة.

ما يجري يعيد إلى الأذهان نمطا أميركيا بات يتكرر منذ سنوات يقوم على الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة الانسحاب السياسي بأقل الأضرار الممكنة

ومن أكثر البنود المثيرة للاستغراب في الرواية الإيرانية ما يتعلق بالمطالبة بأن تقدم الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون خططا لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن ثلاثمئة مليار دولار. فبدل أن تحصل دول الخليج على تعويضات عن الهجمات والاستهدافات التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، تجد نفسها -وفق هذه الرواية- مطالبة بالمساهمة في إعادة إعمار إيران نفسها.

وهنا تبدو المفارقة شديدة القسوة بالنسبة إلى دول عارضت الحرب ورفضت الانخراط فيها واكتفت بالدفاع عن أمنها ومنشآتها الحيوية، لكنها قد تجد نفسها في النهاية مطالبة بتحمل جزء من فاتورة التسوية.

تبدو الصورة محكومة باحتمالين لا ثالث لهما: إما أن هناك بنودا سرية وحاسمة لم تُكشف بعد، تتعلق خصوصا بالبرنامج النووي الإيراني وتفرض قيودا صارمة عليه مقابل اعتراف أميركي بالنفوذ الإقليمي لطهران، أو أن إدارة ترامب اختارت بالفعل الانسحاب من المواجهة عبر صفقة سياسية مكلفة لتجنب حرب طويلة تستنزفها عسكريا وتضر بصورة الرئيس داخليا.

وفي الحالتين، فإن ما يجري يعيد إلى الأذهان نمطا أميركيا بات يتكرر منذ سنوات، يقوم على الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إدارة الانسحاب السياسي بأقل الأضرار الممكنة، كما حدث سابقا في أفغانستان وقبلها في العراق.

وفي ظل هذا الوضع، قد يكون الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة لا تقوم على إنهاء النفوذ الإيراني، بل على إعادة تنظيمه ومنحه شكلا أكثر قبولا ضمن توازنات إقليمية جديدة، وهو ما قد يعني أن الحرب لم تغيّر قواعد اللعبة لكنها كشفت عن تراجع صورة أميركا ودورها في الخليج، وهو ما ستكون له تأثيرات مستقبلية حاسمة في تغيير إستراتيجيات دول الخليج والعقيدة الدفاعية لدى كل دولة.

6