كأس العالم: المغرب ذاهب لنخبها… ويستحق
لشهر كامل، وربما أيام إضافية، ستصبح كرة القدم لعبةً وكلامًا وأحلامًا مهيمنة على فضاءات العالم: في انشغالات الشعوب ومشاعرها، في كل مرافق الإعلام، وفي هموم الدول وتطلعات سياساتها ومنافساتها الدولية. إنها أسابيع “كأس العالم”، الكأس الفوارة باللذة إلى درجة أن محتسيها يكرهون أن يروها ملأى ويكرهون أن تبقى فارغة، لا تغادر الأفواه إلا لتعود إليها.
الشغف بكرة القدم يستبد بالعالم. الدول الثمانية والأربعون سلّمت أعلامها لستة وعشرين لاعبًا من أبنائها، ليصعدوا بها إلى قمة المنافسات عبر منعرجات التصفيات الحادة. وراء تلك الكتائب من محترفي المراوغات والتمريرات والتسديد، شعوب تهتف بما تتوق إليه من انتصارات وتفوق وتميّز. حمل تلك الكتائب ينوء بما يتجاوز حدود الملاعب، وما يتجاوز الكرّ والفرّ في مستطيل محدد وفي زمن أقصاه مائة وعشرون دقيقة. إنه الشغف الذي أنهك وأحيانًا قتل، وقليل منه أوصل إلى المجد.
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي استنكر في “النظرية العالمية الثالثة” التي وثّقها في “الكتاب الأخضر” أن تمارس الأقلية الرياضة بينما الأغلبية تتفرج. كان يرى أن الرياضة يجب أن تكون جماهيرية، وأن تكتسح الجماهير الملاعب وتترك المدرجات لأقلية المحترفين. النتيجة أن ليبيا اليوم لا تحضر في المنافسات الرياضية بفرق قوية ولا بلاعبين مهرة، ولم تتمكن الجماهير من التمرن على التنافس الرياضي ولا على صحة التنافس السياسي. الأدهى أن القذافي اهتم بتجييش الشعب وتعميم السلاح حتى على من هم دون سن الرشد، واستصغر من شأن تمتيع الجيش بمقومات المهنية العسكرية. خطب مرة في حفل تخرج ضباط عسكريين قائلاً إن دورهم مقتصر على خدمتهم تحت إمرة الجماهير المسلحة. فكان أن طاردته تلك الجماهير المسلحة زنقة زنقة وصحراء صحراء حتى قتلته وهو أعزل من مرافقة القوات النظامية.
ولعل العقيد أصاب في جانب من تداعيات نظريته، حتى دون قصد منه. فالمنافسات الرياضية، وأساسًا كرة القدم، ليست مسؤولية حصرية للاعبين الذين يخوضونها، بل هي حرب بكل أدواتها المعنوية، تشترك فيها الدول والشعوب بالحماس والنشيد الوطنيين، وتؤطرها وسائل الإعلام بمفردات عسكرية: الهجوم، الدفاع، الحملة المضادة، التكتيك، الإستراتيجية، الإصابة القاتلة، وغيرها.
شعبية كرة القدم بلغت الدرجة القصوى محليًا ودوليًا، حتى في الولايات المتحدة التي اكتفت لعقود بأنواع أخرى من المنافسات الكروية، لكنها أدركتها الحمى وأصبحت تملك فريقًا منافسًا لفرق دول عريقة. هذه الشعبية لها أسباب اجتماعية ورياضية وسياسية، وأضيفت لها الرافعة الاقتصادية، إذ أصبحت كرة القدم مجالًا للاستثمار، تستعيض بها دول وشعوب عن الانتصار في التنمية والتقدم، وتخوض بها حروبًا رمزية ضد خصومها، حيث الأسلحة ركلات وتسديدات لا تدمي الأجساد لكنها تجرح كبرياء الشعوب.
المغرب من الدول التي أدمجت الرياضة عامة، وكرة القدم خاصة، في مشاريعها التنموية. المشروع الإصلاحي والتحديثي الذي أرسى دعائمه الملك محمد السادس متسم بالشمولية والتكامل، وضمنه الرياضة دعامة للتملك المغربي لأسباب التقدم. على المستوى الفردي، تُشحن الروح الوطنية بالاعتزاز بالهوية دون تعصب منغلق، مع التطلع إلى التفوق بالكفاءة والاستحقاق لا بالغش والتآمر. التربية العضلية على القوة والصلابة متصلة بالتربية الأخلاقية، قوام الوطنية المتأصلة في أمة ذات عمق حضاري، مؤهلة للتفاعل مع السعي العالمي للسلم والتعاون.
انتصارات المغرب الرياضية ترافقها إنجازات دبلوماسية واقتصادية وأمنية تؤكد مكانته الدولية وتبرهن أن الرياضة جزء من مسار تقدمه وتحصينه لوحدته الوطنية
على المستوى المحلي، سُجلت حالات عنف رياضي بين أنصار فرق محلية، لها تفسيرات في التعصب الإقليمي أو الأصول الاجتماعية لبعض الشباب المنساق إلى الشغب، أو في إفرازات توسع عمراني منفلت من التأطير الاجتماعي. لكن ذلك الشغب لم يُمارس أبدًا على هامش المنافسات الدولية. الفرح بانتصارات المنتخب الوطني، في الداخل والخارج، كان مفعمًا بالحماس ولم يُلوّث بالتشفي من الخصوم. وحتى في حالة الهزيمة، يُلجم المغاربة غضبهم بالصمت والثقة في انتصارات مقبلة.
في نهائي كأس إفريقيا بالمغرب، شهد العالم كيف أخمد الجمهور المغربي استفزاز بعض أنصار الفريق السنغالي، وامتنع عن نقل ذلك الشغب إلى العلاقات المغربية–السنغالية. في تلك الدورة، كان المغرب هدف حملة إساءة ومحاولة إفشال العرس القاري، وكشفت تقارير إعلامية أن بلدًا مغاربيًا متربصًا أنفق ملايين الدولارات للإضرار بالاحتضان المغربي الناجح، لكن المغرب ترفّع عن الرد أو الانفعال.
اليوم يدخل المغرب كأس العالم فريقًا وجماهير بروح المنتصر. الفريق المغربي يحظى باحترام العالم بسبب عطائه المميز في قطر، وهو فريق قُدّ من طموح الفوز، مؤهل بالإعدادات الرفيعة الجودة، ويمثل بلدًا أخرج كرة القدم من الهامشية والعشوائية والارتجال، وجعلها رافعة من روافع التنمية.
لا شك أن مشاركة المغرب ستكون مميزة، والملاحظون يتوقعون ذلك. وستكون في جميع الحالات انتصارًا آخر في مسلسل الإنجازات. والأهم أن تلك الانتصارات يواكبها وعي بالكوابح التي تنبت أمام اندفاع المغرب. كوابح تبطئه لكنها لا توقفه، بسبب تكامل المنجز في الكيان المغربي.
المغرب منتصر في نهجه لتدبير وحدة ترابه وشعبه. بعد أكثر من ربع قرن من التصميم على الوفاء لتاريخه، يجني اليوم رصانة دبلوماسيته، محاطًا بأكثر من 140 دولة متفهمة لحقه الوطني ومساندة لمقترحه السلمي لحل نزاع مفتعل. هذه الدول تضع المغرب في موقع الاعتبار بكليته وتتوق لمشاركته طموحات التقدم.
المغرب اليوم في منزلة الريادة الصناعية الإفريقية، جاوز جنوب إفريقيا، وجاذبيته قوية لدى دول القارة لأنه أرسى عقيدة تعاون أساسها رابح–رابح. وللدورة الثالثة على التوالي، يدير “منصة مراكش” لاجتماع الأجهزة الاستخباراتية الإفريقية بالاشتراك مع الأمم المتحدة، حيث يلتقي حوالي 40 جهازًا إفريقيًا، عربون الثقة في الجهاز المغربي وخبرته في محاربة الإرهاب، وهي مكانة لم يصلها مجاملة بل بفعاليته وجاهزيته الأمنية المشهود بها عالميًا.
أيضًا، في حفل العيد الوطني الأميركي بالرباط، قال السفير الأميركي إن المغرب حليف متين للولايات المتحدة، وإن الرئيس ترامب يدعم بقوة مسار حل نزاع الصحراء على قاعدة المقترح المغربي للحكم الذاتي. هذه علامة قوية على الفاعلية المغربية الدولية، إذ إن الإدارة الأمريكية لا تدعم إلا القوي. قوة المغرب وممكناته تؤطر علاقاته الخارجية، ومن خلالها تنظر إليه الأطراف.
هذه فقط عينات من مستجدات الأحداث الدالة على انتصارات المغرب، وعلى أن موجهات منتخب المغرب لكرة القدم تستوحي منها عزمه وتوقه للتميز.