أين مجلس القضاء الأعلى من رقصة العصر الوحشي حول الضحية؟
الفيديو الذي يُظهر رقصة قبيلة في النهروان ببغداد، احتفالًا بقتل فتاة في الخامسة عشرة من عمرها رفضت الزواج من ابن عمها ـ سواء كان حقيقيًا أو مفبركًا ـ يوقظ في الذاكرة الجماعية أشباح العصور الغابرة، حيث كانت القبائل تُقيم طقوسها الدموية وتُعلن فرحها بالبربرية والوحشية. إنه مشهد يختزل ارتدادًا مأساويًا إلى زمنٍ كان فيه الدم وقود الاحتفال، وكأن التاريخ يطلّ علينا بوجهه الأكثر قسوة ليذكّرنا بأن الإنسانية ما زالت رهينة إرثها الوحشي.
أين مجلس القضاء الأعلى من هذا الفيديو المنشور؟ وهل وصلت أخباره إلى مسامعه أم ما زال الوقت مبكرًا؟ وأين السيد فائق زيدان الذي أصدر قرارًا بمعاقبة كل من ينشر فيديوهات ذات “المحتوى الهابط” والحكم عليه وفق المادة (403) من قانون العقوبات العراقي الصادر عام 1969؟ أليس هذا الفيديو هابطًا بمستواه، بل إنه يحطّ من القيمة الإنسانية للمجتمع العراقي، ويصوّر للعالم أن ما يعيشه العراق هو عودة إلى مراحل البربرية والوحشية؟ ألا يفتح هذا الفيديو الباب على مصراعيه أمام الجرائم التي تُرتكب بحق النساء في العراق، بينما ظل مجلس القضاء الأعلى صامتًا عنها، أو متغاضيًا، بل مغمض العينين؟
قد يتساءل البعض لماذا نوجّه الحديث إلى مجلس القضاء الأعلى، ولا نوجّهه إلى البرلمان أو الحكومة العراقية؟ لأن مجلس القضاء الأعلى، وشخص فائق زيدان الذي يترأسه، يتدخل في كل مرة لإنقاذ السلطة السياسية في العراق. ولنتذكر قليلًا كيف تحرّك في قضية “الدكتورة بان”، عندما وُجّهت اتهامات بتورط مسؤولين في محافظة البصرة في تصفيتها جسديًا، لأنها رفضت التوقيع والمصادقة على تقرير يدين من لهم صلة بمحافظ البصرة، حيث أُغلق الملف فورًا للحيلولة دون اندلاع غضب شعبي قد يقلب الطاولة على محافظ البصرة وعلى مجمل السلطة السياسية في العراق.
إن البرلمان العراقي مُدجّج بأحزاب الإسلام السياسي وميليشياتها، التي تُعدّ من أشد القوى عداءً وكراهيةً للمرأة في المجتمع. بل إن هذه الهوية السياسية جزء من منظومتها الفكرية والاجتماعية، تقوم على تحقير المرأة ومعاملتها معاملة دونية. ويُعتبر تمرير تعديلات قانون الأحوال الشخصية في البرلمان تعبيرًا واضحًا ودليلًا قاطعًا على تلك الهوية السياسية، والذي جرى تمريره بتواطؤ جميع القوى السياسية في البرلمان، حتى تلك التي تصنّف نفسها علمانية أو مدنية، بما في ذلك الأحزاب القومية الكردية، فضلًا عن أطراف تدّعي الليبرالية لكنها في الواقع أسيرة مصالحها الانتهازية.
الفيديو الذي يُظهر رقصة قبيلة في النهروان ببغداد بعد قتل فتاة مراهقة – سواء كان حقيقيًا أو مفبركًا – يستحضر ذاكرة البربرية والوحشية التاريخية
ما حدث في منطقة النهروان ليس أمرًا عابرًا، بل هو تعبير عن صورة العراق “الديمقراطي” تحت ظل سلطة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي. إنها صورة مجتمع واقع بين مطرقة الولايات المتحدة الأميركية وسندان الجمهورية الإسلامية في إيران. صورة لا تبالي بما آلت إليه إنسانية المجتمع في ظل هذا الصراع، كما أن الإعلام بدوره لا يبالي بما يحدث للنساء في العراق، اللواتي تُقتل منهن أكثر من مئة امرأة سنويًا تحت عناوين “غسل العار” أو “جرائم الشرف”.
هذا الفيديو يعيد إلى الذاكرة مشاهد “فدائيي صدام” في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن المنصرم، عندما كانوا يرقصون وهم يعلّقون النساء على الأعمدة تحت الذرائع ذاتها التي تُستخدم اليوم.
إن مفاهيم القبيلة والعشيرة وتقاليدها التي نفخت بروحها المنقرضة عام 1994 عبر تشريع قوانين “غسل الشرف والعار” في ظل الحصار الاقتصادي وهزيمة الجيش العراقي في الكويت وتدمير أجهزة النظام القمعية في انتفاضة آذار 1991، كي تكون هي ـ أي العشيرة والقبيلة ـ حراس النظام وحمايته، قد تم تقويتها وترسيخها تحت حراب الغزو والاحتلال الذي قدّم الدعم لسلطة الإسلام السياسي الشيعي، فبُعثت بحلّتها الوحشية من جديد، وكأنها استُحضرت من إرث “فدائيي صدام” في عهد النظام السابق. وكما يخبرنا ماركس، فإن تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. إلا أن ماركس لم يعش زمن ما بلغته البشرية من تطور في الذكاء الصناعي والتكنولوجيا والمنصات الرقمية، ليخبرنا كيف أن الأحياء اليوم يرزحون تحت وطأة تقمّص أرواح الأجيال المنقرضة التي تُفرض على المجتمع.
إن المطلوب من مجلس القضاء الأعلى ورئيسه فائق زيدان أن يوضح: هل تُعدّ رقصة القبيلة احتفالًا بجريمتها بحق هذه الفتاة فعلًا يهدد أركان المجتمع الإنساني، ويقدّم صورة للعالم بأن العراقيين قبائل همجية ينبغي عزلهم كما تُعزل التجمعات المصابة بالأوبئة؟ أم أنها تُدرج ضمن خانة السلوك الإجرامي الذي يجب أن يُعاقب عليه القانون بوضوح وحزم؟
إن العراق، الذي وقّع على اتفاقية “سيداو” منذ عام 1979 لمناهضة التمييز ضد المرأة، يُعاد سوقه اليوم إلى عصور البربرية. وعلى مجلس القضاء الأعلى، الذي يتدخل دائمًا بحجة تحقيق الأمن والاستقرار من أجل حماية السلطة السياسية بالرغم من أنها غارقة بالفساد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها لتأمين سلامة تدفق رأس المال وعدم تعكير صفو البيئة الاقتصادية، عليه أيضًا ألا يتغاضى عن إظهار المجتمع العراقي بهذه الصورة الوحشية؛ لأن العالم سيتخذ مسافة منه، وعندئذ سيُصنَّف العراق كدولة وبلد ومجتمع خارج مسار التطور الإنساني، يحتاج إلى حقبة طويلة لاستعادة موقعه. ومن جانب آخر، فإن السكوت على هذا النوع من البربرية يضع علامة استفهام كبيرة على إنسانيتنا.