دعاية إيرانية لفرض أمر واقع جديد في مضيق هرمز

طهران تعلن بدء تلقي رسوم على عبور المضيق.
الجمعة 2026/04/24
كل القضايا توارت خلف قضية المضيق المصيرية

طهران- في ذروة التصعيد بين طهران وواشنطن، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر إستراتيجي للطاقة إلى أداة ضغط متبادلة في معركة إرادات مفتوحة على كل الاحتمالات. إعلان إيران تحصيل أول عائدات من رسوم العبور لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن هذا السياق المتوتر، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع الرسائل السياسية والعسكرية.

وبين واقع ميداني يتسم بشلل شبه كامل لحركة الملاحة، وخطاب رسمي يوحي بقدرة على فرض معادلات جديدة، تبرز تساؤلات جدية حول حقيقة هذه العائدات ودلالاتها، وما إذا كانت تعكس تحولا فعليا أم مجرد محاولة لإعادة صياغة مشهد مأزوم.

وأعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي الخميس أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الإستراتيجي.

وأثار ذلك الإعلان تساؤلات عن مدى دقته وحول القيمة الفعلية للرسوم، والتي قد تكون السلطات الإيرانية قد حصلت عليها نظرا لكون حركة الملاحة في المضيق شبه متوقفة بسبب الإغلاق المزدوج الذي تفرضه إيران نفسها والحصار البحري الذي تضربه القوات الأميركية ويشمل مختلف الموانئ الإيرانية بما في ذلك الواقعة على الخليج.

أصبح اعتبار ‌مضيق هرمز مفتوحا أو مغلقا مسألة خلافية تبسط بشكل مخل احتمال مخاطر ‌معقد جدا لسفن النفط

ونقلت وكالة أنباء “تسنيم” عن بابائي قوله إنّ “أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي”.

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية.

وتبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة كأنها تتركّز حاليا حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب آخر فبراير الماضي إثر هجوم أميركي – إسرائيلي على طهران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرض تلك الرسوم على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق “لن تعود إلى وضعها قبل الحرب”.

وفي أواخر مارس الماضي ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصارا بحريا بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقا لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل.

وفي هذا الإطار أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنّ إحدى وثلاثين سفينة عادت أدراجها بسبب ذلك الحصار.

وقالت في تدوينة عبر منصة إكس الخميس “قوات الولايات المتحدة، وفي إطار الحصار على إيران، أمرت إحدى وثلاثين سفينة بتغيير مسارها أو العودة إلى أحد الموانئ الإيرانية”.

وأشارت إلى أن “الغالبية العظمى من السفن امتثلت لأوامر الولايات المتحدة”، لافتة إلى أن معظم السفن التي عادت كانت ناقلات نفط.

وفي العشرين من أبريل الجاري أعلنت سنتكوم أنه منذ بدء الحصار المفروض على السفن الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو الخارجة منها في الثالث عشر من الشهر نفسه، أصدرت القوات الأميركية تعليمات لسبعة وعشرين سفينة بالعودة أو الرجوع إلى أحد الموانئ الإيرانية.

ومن الجانب الإيراني قالت مصادر في قطاع النقل البحري لخدمة ذي إنشورار الإخبارية التابعة لوكالة رويترز المتخصصة في قطاع التأمين إن احتجاز إيران لسفينتين في مضيق هرمز الأربعاء لم يغير بشكل جوهري بيئة المخاطر التي لا تزال مرتفعة للغاية في المنطقة.

إيران سمحت بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية وسلع حيوية أخرى

واحتجزت إيران السفينتين بسبب ما وصفته بـ”مخالفات بحرية” واقتادتهما إلى السواحل الإيرانية.

وقال مصدر في مجال الوساطة إن مستوى المخاطر لم يكن من قبل أعلى مما كان عليه في الأسابيع القليلة الماضية بعد أن أصبحت الضبابية هي الوضع الطبيعي الجديد، و”الفوضى اليومية” هي القاعدة.

وقال مصدران رفيعا المستوى في السوق إن عمليات الاحتجاز لن تغير بشكل جوهري بيئة المخاطر. وذكر أحدهما أنها عامل آخر يزيد من تعقيد الوضع.

وقال مونرو أندرسون رئيس قسم السياسات الإستراتيجية والعمليات في شركة فيسيل بروتكت “تظهر عمليتا احتجاز السفينتين مدى هشاشة الوضع الأمني في مضيق هرمز، ونحث جميع مالكي السفن ومشغليها على مواصلة توخي الحذر الشديد”.

وأضاف “من منظور التأمين، أصبح اعتبار ‌مضيق هرمز مفتوحا أو مغلقا مسألة خلافية، وهي مسألة تبسط بشكل مخل احتمال مخاطر ‌معقد للغاية. فهناك بعض السفن التي تعبر المضيق بنجاح رغم أن هناك قيودا شديدة على المرور”.

وذكر أحد المصادر أنه لا يتوقع ‌أن تحتجز إيران عددا كبيرا من السفن لأن هذه الواقعة تتعلق أكثر باتخاذها موقفا بعد ضبط الولايات المتحدة سفينة إيرانية الأحد.

في المحصلة، يبدو أن الصراع حول مضيق هرمز تجاوز مسألة فتحه أو إغلاقه إلى معركة أعمق تتعلق بفرض قواعد اشتباك جديدة في واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. وبين رسوم عبور مشكوك في جدواها، وحصار بحري يقيّد الحركة، ومخاطر أمنية تتصاعد يوما بعد آخر، تتكرّس حالة “اللايقين” كعنوان رئيسي للمرحلة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد لن يكون الحسم عسكريا فقط، بل سيُقاس أيضا بمدى قدرة كل طرف على التحكم في كلفة الفوضى وإعادة توظيفها سياسيا واقتصاديا.

3