هل تفتح الانقسامات داخل حزب العمال الباب أمام اليمين المتطرف في بريطانيا؟
لندن- حذّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأحد من أن أي تحرك داخل حزب العمال لإقالته في عام 2026 لن يكون مجرد تغيير قيادي عادي، بل خطوة محفوفة بالمخاطر قد تُدخل بريطانيا في “فوضى عارمة” وتفتح الباب أمام صعود اليمين المتطرف إلى الحكم.
وجاءت تصريحات ستارمر في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لتعكس قلقًا متزايدًا داخل أوساط القيادة العمالية من سيناريوهات عدم الاستقرار السياسي، في وقت تشهد فيه الساحة البريطانية تحولات عميقة في المزاج العام، وصعودًا لافتًا للتيارات الشعبوية، وعلى رأسها حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بزعامة نايجل فاراج.
ولا يمكن فصل تحذير ستارمر عن السياق السياسي العام الذي تعيشه بريطانيا منذ ما يقرب من عقد، حيث دخل النظام السياسي في حالة من الاضطراب المزمن، بدأت مع تداعيات استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي ( بريكست)، وتفاقمت خلال سنوات حكم المحافظين، التي شهدت تعاقبًا غير مسبوق لرؤساء الوزراء.
وأسهم هذا التغير السريع في القيادات، وما رافقه من صراعات داخلية وانقسامات حادة، في إضعاف هيبة السلطة التنفيذية، وأفقد الناخب البريطاني ثقته بقدرة النخبة السياسية على توفير الحد الأدنى من الاستقرار والوضوح في إدارة شؤون البلاد.
ومن هذا المنطلق، يحرص كير ستارمر على تقديم نفسه بوصفه نقيضًا لتلك المرحلة المضطربة، مستندًا إلى خطاب يركز على الاستقرار، والانضباط الحزبي، والقدرة على الحكم طويل الأمد.
وبالنسبة له، لا يُعد الاستقرار مجرد شعار سياسي، بل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمجتمع، ولتجنب تكرار أخطاء الماضي القريب.
ولذلك، فإن تحذيره من سيناريو الإقالة لا يستهدف فقط حماية موقعه القيادي، بل يهدف أيضًا إلى ترسيخ قناعة داخل حزب العمال بأن وحدة القيادة واستمراريتها تمثلان صمام أمان للنظام السياسي برمته.
وفي هذا الإطار، يستحضر ستارمر تجربة المحافظين بوصفها درسًا تحذيريًا حيًا. فقد أدت الصراعات الداخلية داخل الحزب المحافظ، وتبدل القيادات بوتيرة سريعة، إلى حالة من الشلل السياسي والتخبط في السياسات العامة، وهو ما انعكس سلبًا على الاقتصاد، وعلى صورة بريطانيا الدولية، وعلى ثقة المواطنين في مؤسسات الحكم.
ومن وجهة نظر ستارمر، فإن هذه الفوضى كانت من العوامل الرئيسية التي أسهمت في إقصاء المحافظين انتخابيًا، وفتحت الطريق أمام عودة حزب العمال إلى السلطة.
ويحذر رئيس الوزراء من أن تكرار هذا السيناريو داخل حزب العمال لن يؤدي فقط إلى تقويض أي إنجازات حكومية محتملة، بل سيبعث برسالة خطيرة إلى الشارع البريطاني مفادها أن الحزب الحاكم غير قادر على إدارة خلافاته الداخلية، ناهيك عن إدارة الدولة في مرحلة دقيقة.
تحذير ستارمر لا يعكس مجرد دفاع عن موقعه القيادي، بل يعبر عن قلق أعمق من التحولات الجارية في المشهد السياسي البريطاني، حيث لم تعد الشعبوية اليمينية ظاهرة هامشية، بل قوة حقيقية قادرة على استثمار أي فراغ أو انقسام داخل الأحزاب التقليدية.
وغالبا ما يتحول التغيير القيادي، حين يتم في سياق انقسام وصراع، من أداة تجديد إلى عامل تفكيك، وهو ما يسعى ستارمر إلى تفاديه عبر تشديده على ضرورة الحفاظ على الانضباط الحزبي.
واللافت في خطاب ستارمر هو تركيزه الواضح على الخطر الذي يمثله نايجل فاراج، زعيم التيار الشعبوي اليميني، الذي بات يتصدر استطلاعات الرأي ويُنظر إليه على نحو متزايد بوصفه المنافس الأخطر لحزب العمال في أفق الانتخابات العامة المقبلة المقررة بحلول عام 2029.
ويدرك ستارمر أن فاراج لا يحتاج بالضرورة إلى برنامج اقتصادي متكامل أو رؤية سياسية شاملة، بقدر ما يستفيد من أجواء الغضب العام، والتذمر من النخب التقليدية، وحالة عدم اليقين التي تصاحب الفترات الانتقالية والفوضوية.
ومن هذا المنظور، يرى ستارمر أن أي اضطراب داخلي في حزب العمال، أو أي إشارة إلى ضعف القيادة، سيمنح فاراج فرصة ذهبية لتقديم نفسه كبديل “حاسم” و”واضح”، قادر على كسر ما يصفه بـ”فشل الطبقة السياسية”.
ويستند هذا التحليل إلى تجارب أوروبية عديدة، حيث نجحت الأحزاب الشعبوية في استثمار الأزمات الداخلية للأحزاب التقليدية، وتحويلها إلى رافعة انتخابية قوية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه بريطانيا تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، تشمل استمرار آثار التضخم، وضغوط تكاليف المعيشة، وتدهور بعض الخدمات العامة، إلى جانب ملفات شائكة مثل الهجرة والهوية الوطنية. وهي قضايا لطالما شكلت أرضية خصبة للخطاب الشعبوي، الذي يقدم حلولًا مبسطة لمشكلات مركبة، ويستثمر في مشاعر القلق والخوف لدى فئات واسعة من المجتمع.
وفي هذا السياق، يسعى ستارمر إلى ترسيخ صورة القيادة المستقرة القادرة على اتخاذ قرارات صعبة دون الانجرار إلى صراعات داخلية تُضعف الحكومة.
وبالنسبة له، فإن الحفاظ على وحدة حزب العمال ليس هدفًا تنظيميًا فحسب، بل ضرورة سياسية لمواجهة التحديات الخارجية، ولمنع خصومه من استغلال أي تصدعات داخلية.
وفي المقابل، تكشف تصريحات رئيس الوزراء عن وجود نقاشات أو تململ داخل حزب العمال بشأن أدائه أو توجهاته، حتى وإن لم تظهر هذه الخلافات إلى العلن بشكل واضح.
ويوحي مجرد طرح سيناريو الإقالة في عام 2026 بوجود تيارات داخل الحزب قد ترى في تغيير القيادة خيارًا مطروحًا إذا ما تراجعت شعبية الحكومة أو واجهت صعوبات في تنفيذ برنامجها. غير أن ستارمر يحاول استباق هذا الجدل عبر تأطيره باعتباره مغامرة عالية الكلفة، ليس فقط على الحزب، بل على مستقبل البلاد السياسي.
ومن هنا، يمكن قراءة موقف ستارمر على أنه محاولة لفرض معادلة واضحة داخل حزب العمال: الاستقرار القيادي مقابل تجنب الفوضى السياسية وصعود اليمين المتطرف. وهي معادلة تستند إلى تجربة حديثة لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية البريطانية، وتلقى صدى لدى قطاع واسع من الرأي العام الذي بات ينظر إلى الاستقرار كقيمة بحد ذاتها، بعد سنوات من الاضطراب وعدم اليقين.
ولا يعكس تحذير كير ستارمر مجرد دفاع عن موقعه القيادي، بل يعبر عن قلق أعمق من التحولات الجارية في المشهد السياسي البريطاني، حيث لم تعد الشعبوية اليمينية ظاهرة هامشية، بل قوة حقيقية قادرة على استثمار أي فراغ أو انقسام داخل الأحزاب التقليدية.
ومن هنا، يبدو أن الصراع داخل حزب العمال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط حول السياسات والبرامج، بل حول سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الحكم ذاته: هل يستطيع الحزب الحفاظ على وحدته واستقراره في مواجهة تحديات داخلية وضغوط خارجية متزايدة، أم أنه قد يقع في الفخ نفسه الذي أطاح بمنافسيه من قبل، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي في بريطانيا؟.