التوترات العرقية والسياسية محفزات للهجرة الموريتانية

الهجرة إلى الولايات المتحدة استجابة للتهميش الاجتماعي والسياسي في نواكشوط
الأحد 2026/01/04
أبعاد أعمق من الرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي

نواكشوط- ابتداءً من يوليو 2025، شهدت موريتانيا تصاعداً واضحاً في الهجرة نحو الولايات المتحدة، في سياق يعكس أبعاداً أعمق من الرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي أو البحث عن فرص أفضل، إذ تكشف هذه الهجرة عن جذور تاريخية واجتماعية وسياسية مستمرة في البلاد.

واستضافت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قادة عدد من الدول الإفريقية في قمة بالبيت الأبيض، بما في ذلك موريتانيا، بهدف تسهيل النفوذ الأميركي وتأمين الموارد المعدنية الأساسية، وكذلك لمواجهة النفوذ التجاري الصيني المتنامي في إفريقيا.

ومع ذلك، ساهمت السياسات الأميركية، المبنية على ربط الهجرة بالأمن والموارد الاقتصادية، في تعزيز الديناميات التي تدفع المواطنين الموريتانيين إلى الهجرة عبر طرق غير نظامية، خاصة بعد فرض قيود جزئية على دخول الموريتانيين إلى الولايات المتحدة في ديسمبر 2025.

وتستند الهجرة الموريتانية إلى الولايات المتحدة إلى عوامل متعددة، أبرزها التوترات العرقية والسياسية المستمرة داخل البلاد.

وتشكل جماعات الحراطين والأفرو-موريتانيين جزءاً كبيراً من السكان، لكنهم يواجهون التهميش والإقصاء من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ورغم إلغاء العبودية رسمياً في عام 1982 وتجريمها نهائياً في 2007، إلا أن آثار هذه الممارسات لا تزال مستمرة، إذ يواجه الحراطين والأقليات العرقية الأخرى صعوبات كبيرة في الحصول على الوثائق القانونية التي تضمن لهم الحقوق المدنية الأساسية، ما يجعلهم عرضة للترحيل ويعزز شعورهم بعدم المساواة والإقصاء.

وأظهرت السياسات الحكومية في موريتانيا تاريخياً اتجاهات متناقضة تجاه هذه الجماعات. ففي أواخر الثمانينيات، أقدمت السلطات على طرد وحرمان آلاف من الأفرو-موريتانيين من الجنسية، في ما يعرف بـ “المسؤولية الإنسانية”، وترافق ذلك مع ترحيل العديد من الحراطين إلى دول الجوار.

وبينما سمحت الحكومة لاحقاً ببعض عمليات العودة، ظل كثيرون محرومين من الوثائق القانونية اللازمة للعيش كمواطنين كاملين الحقوق، مما خلق طبقة كبيرة من اللاجئين عديمي الجنسية، اضطروا إلى البحث عن ملاذات آمنة، سواء داخل موريتانيا أو عبر الهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة.

السياسات الأميركية المبنية على ربط الهجرة بالأمن والموارد الاقتصادية، ساهمت في تعزيز الديناميات التي تدفع الموريتانيين إلى الهجرة عبر طرق غير نظامية، خاصة بعد فرض قيود جزئية على دخولهم إلى الولايات المتحدة في ديسمبر 2025.

وشكلت التشريعات المقيدة للحريات عاملاً آخر في تفاقم موجة الهجرة. فالقوانين الصادرة لتعزيز "الوحدة الوطنية"، مثل قانون حماية الرموز الوطنية لعام 2021، منحت السلطات حقاً واسعاً لتقييد حرية التعبير وقمع النشطاء الحقوقيين والسياسيين، بما في ذلك المنظمات المناهضة للعبودية والداعمة للأقليات.

 وقد أدت هذه السياسات إلى اعتقال وسجن ناشطين بارزين، مثل عبد الله با، الذي حكم عليه بالسجن بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد الانتهاكات والاعتقالات التعسفية، ما زاد من شعور المواطنين بالحاجة إلى الهروب من بيئة قمعية وغير عادلة.

وإضافة إلى ذلك، أثبتت البيانات أن السياسات الأميركية المبنية على ربط الهجرة بتأمين الموارد الاقتصادية لم تأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى معالجة الحقوق المدنية والسياسية للأقليات. ف

وحتى في ظل الاستثمارات الأميركية والأوروبية في موريتانيا، والتي ركزت على تطوير البنية التحتية والفرص الاقتصادية، فإن النمو الاقتصادي غالباً ما يذهب إلى الأقلية المهيمنة، دون أن ينعكس بشكل ملموس على حياة الحراطين والأفرو-موريتانيين.

وأثبتت الدراسات أن الزيادة في عائدات قطاع التعدين والموارد الطبيعية تعزز الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يسيطر أقل من عشرة مجموعات عائلية من البيضان على الاقتصاد الموريتاني، بينما يعاني الحراطين والأقليات العرقية من الفقر والحرمان المستمر.

ويعمق الاستبعاد الاجتماعي والسياسي للأقليات من الأزمة ويحفز الهجرة. فحتى مع النمو الاقتصادي، يظل الحراطين والأفرو-موريتانيون محرومين من الحقوق الأساسية، بما في ذلك التعليم والعمل والوثائق القانونية.

وتظهر الدراسات أن 28.4 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر الدولي في 2024، ويفتقر أكثر من نصف الموريتانيين إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والعمل اللائق، بينما ارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي من 9 في المئة في 2020 إلى 12.8في المئة في 2024.

ويجعل هذا الواقع السياسات الاقتصادية وحدها غير كافية لمعالجة أسباب الهجرة، بل يمكن أن تؤدي إلى زيادة شعور الحرمان لدى الفئات الأكثر تهميشاً.

ويعكس التاريخ السياسي لموريتانيا أيضاً جذوراً عميقة للهجرة. فقد ارتبطت حركة الهجرة الأميركية للموريتانيين بالأحداث التي وقعت في التسعينيات، حين قامت الحكومة بطرد آلاف الأفرو-موريتانيين وحرمتهم من الجنسية، إضافة إلى مصادرة أراضيهم وممتلكاتهم.

ورغم السماح ببعض العودة لاحقاً، لم يتمكن العديد من المواطنين من الحصول على الوثائق اللازمة للعيش كأفراد يحملون حقوقاً كاملة، ما اضطرهم إلى السعي للهجرة إلى دول مثل السنغال والولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى ذلك، ساهمت الإجراءات الأمنية للحد من الهجرة غير النظامية في تفاقم المشكلة. فقد استخدمت السلطات الموريتانية، بعد توقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي عام 2024، قواتها الأمنية لاعتقال آلاف المهاجرين من غرب ووسط إفريقيا، مع التركيز على الأحياء السكنية التي يعيش فيها الحراطين والأفرو-موريتانيون، ما أدى إلى اعتقال من لا يحملون وثائق رسمية أو أوراق هوية، وضاعفت من عزلة هذه المجتمعات.

وعلى الصعيد الاجتماعي والعرقي، يبرز أن الحراطين والأقليات الموريتانية يتعرضون للتهميش المستمر رغم مشاركتهم في الاقتصاد المحلي والمجتمع الحضري.

ويعيشون غالباً في الأحياء نفسها التي يسيطر عليها البيضان اقتصادياً وسياسياً، ويعملون في القطاعات الدنيا مثل الزراعة والخدمات البسيطة، وهو ما يخلق شعوراً عميقاً بعدم المساواة.

وتوضح الدراسات أن نسبة من يفكرون في الهجرة بشكل غير نظامي تضاعفت من 22 في المئة في 2022 إلى أكثر من 40في المئة في 2024، بما يعكس صعوبة الوصول إلى مسارات قانونية أو وثائق رسمية للهجرة.

وترى الباحثة مروى العيساوي في تقرير نشره المعهد العربي واشنطن دي سي إن الهجرة الموريتانية إلى الولايات المتحدة ليست مجرد مسألة اقتصادية أو تدفقات غير قانونية، بل هي انعكاس مباشر للتوترات العرقية والسياسية المستمرة.

وأظهرت الدراسات أن 77 في المئة من المهاجرين الموريتانيين لم يغادروا البلاد لأسباب اقتصادية فقط، بل بسبب تصاعد القمع الحكومي وتهميش الحراطين والأقليات العرقية، بالإضافة إلى السياسات التمييزية المستمرة.

وتتطلب معالجة الهجرة من موريتانيا أكثر من مجرد تعزيز الأمن أو الاستثمار الاقتصادي، إذ يجب معالجة جذور التوترات العرقية والسياسية التي تدفع الأفراد إلى الهجرة.

وتعتبر تحسين الحقوق المدنية والسياسية للأقليات، توفير التعليم والعمل والوثائق القانونية، وإلغاء السياسات القمعية، عناصر أساسية لتخفيف الهجرة غير النظامية. فبدون معالجة هذه القضايا العميقة، ستظل الهجرة خياراً واقعياً لكثير من الموريتانيين الباحثين عن بيئة أكثر عدالة وأمناً.