الولايات المتحدة مازالت غير مستعدة لمواجهة خطر الطائرات المسيرة المتزايد

الطائرات المسيّرة تتحول من سلاح تكتيكي إلى تهديد استراتيجي
الثلاثاء 2025/12/30
الوقت ينفد لتدارك النقائص

واشنطن- في الأول من يونيو الماضي، فوجئ العالم بهجوم جوي نوعي شنّته أوكرانيا على خمس قواعد جوية رئيسية في أنحاء روسيا، باستخدام طائرات مسيّرة.

وفي هذا الهجوم، استخدمت أوكرانيا أكثر من مئة طائرة هجومية مسيّرة، جرى تهريبها داخل كبائن خشبية على متن شاحنات يقودها روس غير مدركين للأمر.

وأسفر الهجوم عن تدمير قاذفات قنابل استراتيجية جاثمة على مدارج الطائرات، حتى في قاعدة بيلايا الجوية في سيبيريا، على بُعد نحو 3000 ميل من كييف.

وأُطلق على هذه العملية اسم “عملية شبكة العنكبوت”، وكانت من أكثر الهجمات جرأة وإثارة في الحرب الأوكرانية حتى ذلك الحين، كما مثّلت تحذيرًا شديد اللهجة من الخطر المتزايد الذي باتت تمثله الطائرات المسيّرة على الأمن القومي لمعظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، القوة العسكرية الأكبر في العالم.

وفي تحليل مشترك نشره موقع مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، قال تيودور بونزل، المدير الإداري ورئيس شركة لازارد للاستشارات الجيوسياسية، والدبلوماسي السابق، إلى جانب توم دونيلون، مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، إن الرئيسين الأميركيين السابق جو بايدن والحالي دونالد ترامب اتخذا خطوات لحماية الولايات المتحدة من الطائرات المسيّرة، مثل تحديد الأدوار والمسؤوليات الفيدرالية، وحظر تحليق الطائرات المسيّرة فوق مواقع حساسة أو فعاليات خاصة، والاستثمار في تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة واستخدامها.

وعلى الرغم من هذا التقدم، لم تواكب الولايات المتحدة حجم التهديدات، ولا تزال هناك نقاط ضعف، من بينها عدم كفاية أنظمة تحديد الطائرات المسيّرة وتقييدها في المجال الجوي الأميركي، ومحدودية التمويل لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة المتقدمة القادرة على حماية البنية التحتية الحساسة والتجمعات الجماهيرية، إضافة إلى مخاطر سلاسل التوريد المرتبطة بهيمنة الصين على سوق الطائرات المسيّرة العالمية.

وبمعنى آخر، لا تزال الولايات المتحدة تفتقر إلى منظومة دفاع شاملة ضد الطائرات المسيّرة، رغم امتلاكها وحلفائها الوسائل والقدرة على الحد من التهديد الداخلي الذي تشكله هذه الطائرات.

وهناك إجماع من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن على ضرورة القيام بذلك، وكل ما تحتاجه الولايات المتحدة والدول الغربية هو الإرادة البيروقراطية والسياسية للتحرك قبل أن تفرض الأزمة نفسها، بحسب بونزل ودونيلون.

ومنذ عام 2022، تطور خطر الطائرات المسيّرة بشكل كبير، إذ أظهرت الحرب الروسية ضد أوكرانيا فتك هذه الطائرات، وتشير تقديرات الحكومة الأوكرانية إلى أنها مسؤولة الآن عن نحو 70 في المئة من إجمالي الخسائر البشرية التي تكبدتها.

كما مثّلت الحرب في أوكرانيا ساحة اختبار ومحفزًا للابتكار في أنظمة الطائرات المسيّرة، بما في ذلك الإنتاج الضخم للطائرات المزودة بتقنية “الرؤية من منظور الشخص الأول”، وتطوير مسيّرات تعمل بالألياف الضوئية قادرة على قطع مسافات طويلة دون التأثر بالترددات اللاسلكية، إلى جانب طائرات هجومية بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف مثل منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية بفعالية.

ويستطيع مشغلو الطائرات المسيّرة المهرة توجيه حمولاتها إلى فتحات الدبابات، وقد جرى تسجيل هذه الهجمات لأغراض دعائية، سواء من جانب كييف أو موسكو.

ووفقًا لبعض التقديرات، تنتج أوكرانيا نحو أربعة ملايين طائرة مسيّرة سنويًا، وهو ما يفوق إنتاج جميع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) مجتمعة، في حين تصنع روسيا نحو مليوني طائرة مسيّرة سنويًا.

وفي المقابل، تبيّن أن إقامة منظومات دفاعية مضادة للطائرات المسيّرة عملية بالغة الصعوبة، إذ لم تتمكن لا روسيا ولا أوكرانيا من إيجاد تدابير كافية لحماية نفسيهما من هجمات المسيّرات.

رغم أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على أخذ زمام المبادرة في التأثير على بيئة هذا الخطر، فإن الوقت المتاح أمامها ينفد بسرعة.

وفي الوقت الذي كثفت فيه روسيا وأوكرانيا استخدام الطائرات المسيّرة في حربهما، أظهرت بيانات إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية وجود أكثر من 800 ألف مشغّل طائرات مسيّرة مسجلين في الولايات المتحدة. إلا أن العدد الفعلي للطائرات المسيّرة التي تحلق في الأجواء الأميركية أعلى بكثير، نظرًا لوجود العديد من الهواة الذين يشغّلون طائرات صغيرة لا تستوفي شروط التسجيل، إضافة إلى أن المشغّل الواحد يمكنه استخدام ترخيص واحد لتشغيل عدة طائرات.

ورغم الفوائد الاقتصادية الكبيرة للطائرات المسيّرة خارج ساحات القتال، فإن انتشارها يزيد من مخاطر الحوادث ويعقّد قدرة أجهزة إنفاذ القانون على التمييز بين الأنشطة المشروعة والتهديدات المحتملة.

وقد شهدت الولايات المتحدة بالفعل سلسلة من الحوادث المربكة المرتبطة بالطائرات المسيّرة. ففي ديسمبر 2023، شهدت قاعدة لانغلي الجوية في ولاية فرجينيا تحليق طائرات مسيّرة غامضة على مدى 17 ليلة متتالية، ما أجبر القاعدة على نقل طائرات “إف-22 رابتور” مؤقتًا وتعليق أنشطة التدريب فيها.

ووصف شهود عيان هذه الوقائع بأنها تشكيلات يصل طولها إلى 20 قدمًا، تسير بسرعة 100 ميل في الساعة.

وعلى الرغم من أسابيع من التحقيق، لم يتمكن مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولا البنتاغون، ولا وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) من تحديد هوية مشغلي هذه المسيّرات. وخلال العام التالي، جرى رصد أكثر من 350 اختراقًا للطائرات المسيّرة في نحو 100 منشأة عسكرية أميركية مختلفة.

ويكمن جزء من مشكلة الطائرات المسيّرة في سهولة حصول جهات خطرة ومتنوعة — من أفراد وجماعات إجرامية إلى دول معادية — عليها.

ويمكن للأفراد استخدام الطائرات المسيّرة الرخيصة كأدوات لأعمال إرهابية. ففي يوليو 2024، على سبيل المثال، استخدم شاب يبلغ من العمر 20 عامًا طائرة مسيّرة لمسح ساحة تجمعات انتخابية في بتلر بولاية بنسلفانيا، قبل أن يوجهها نحو دونالد ترامب خلال ظهور انتخابي.

وفي الوقت نفسه، تستطيع الدول استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث اضطرابات اقتصادية، كما يحدث في دول أوروبية تقول إنها تتعرض لهجمات هجينة تنفذها الاستخبارات الروسية باستخدام طائرات مسيّرة.

وفي سبتمبر، أدى نشاط غير معتاد للطائرات المسيّرة إلى إغلاق مؤقت للمطارين الرئيسيين في كوبنهاغن وأوسلو، وفي الشهر التالي تسببت حوادث مماثلة قرب مطار ميونيخ في تعطيل رحلات أكثر من 3000 مسافر. ونفت السلطات الروسية تورطها، لكن هذه الحوادث كبّدت الدول الأوروبية ملايين الدولارات.

ومن جهتها، اتخذت السلطات الأميركية عدة خطوات لمواجهة تحدي الطائرات المسيّرة. ففي عام 2022، وضعت إدارة بايدن خطة أوصت بإجراءات مثل إنشاء قاعدة بيانات وطنية لتتبع حوادث المسيّرات، وتدريب مشغلي أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، وإشراك أجهزة إنفاذ القانون على مستوى الولايات والمحليات في أنشطة مكافحة المسيّرات، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وسن تشريعات لتوضيح مسؤوليات كل جهة.

وفي يونيو الماضي، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بعنوان “استعادة سيادة المجال الجوي الأميركي”، وجّه فيه إدارة الطيران الفيدرالية إلى تشديد اللوائح المتعلقة برحلات الطائرات المسيّرة فوق المواقع الحساسة، وتوسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون، وزيادة التمويل لمواجهة أنشطة الطائرات المسيّرة غير المرخصة.

وفي الشهر الماضي، أقر الكونغرس الأميركي تشريعًا لتعزيز وتوسيع صلاحيات الوكالات الفيدرالية في استخدام التدابير الدفاعية ضد الطائرات المسيّرة. كما يمنح التشريع صلاحيات جديدة لوكالات إنفاذ القانون على مستوى الولايات والمحليات ومناطق السكان الأصليين لحماية مواقع محددة، بما في ذلك الملاعب الرياضية وقاعات الحفلات الموسيقية، بعد تدريب موظفيها واعتمادهم من قبل وزارة العدل.

لكن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية، إذ تحتاج الولايات المتحدة، على نحو عاجل، إلى نظام وطني متكامل لكشف الطائرات المسيّرة، وتحديد التهديدات المحتملة والجهات المسؤولة عنها، والاستجابة لها في الوقت الفعلي. كما تحتاج واشنطن إلى مضاعفة جهودها في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة، ولا سيما تطوير أنظمة منخفضة التكلفة لتدمير المسيّرات المعادية. ففي الوقت الراهن، يجري التصدي للطائرات المسيّرة باستخدام أنظمة متقدمة تعمل بأشعة الليزر عالية الطاقة أو الموجات متناهية الصغر لتعطيلها أو تدميرها أو التشويش عليها، غير أن تكلفة هذه الأنظمة قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، في حين لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيّرة الواحدة بضع مئات من الدولارات.

وخلص تيودور بونزل وتوم دونيلون في تحليلهما المشترك إلى أن خطر الطائرات المسيّرة لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتسارع انتشاره ويزداد تعقيدًا بمرور الوقت.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على أخذ زمام المبادرة في التأثير على بيئة هذا الخطر، فإن الوقت المتاح أمامها ينفد بسرعة.