الأهداف السياسية لصفقات الغاز بين مصر وإسرائيل

إسرائيل اختارت التوقيت السياسي لكشف التعاون الضخم مع مصر في مجال الغاز بهدف إحراجها والإيحاء بأن خطابها ملتبس.
الأحد 2025/08/10
مصر تختار إسرائيل لتأمين حاجياتها على المدى البعيد

أثار إعلان شركة إسرائيلية بيع كميات من الغاز إلى مصر قبل أيام تساؤلات عديدة حول طبيعة العلاقة بين القاهرة وتل أبيب، وإلى أين وصلت، وهل هي متوترة أم تعاونية. فالإعلان جاء وسط انتقادات مصرية من مغبة ما تقوم به قوت الاحتلال في قطاع غزة، وفي خضم تحذيرات ممّا يمكن أن تفضي إليه هذه التصرفات، بل وتهديدات مباشرة من أن تعرض الأمن القومي المصري للخطر سيواجه بقوة.

عندما أعلن يوسي أبو الرئيس التنفيذي لشركة “نيو ميد” الشريكة في حقل “ليفياثان” للغاز الإسرائيلي عن تعاون كبير في مجال الغاز، فسر موقف بعض المسؤولين المصريين الحاسم ممّا يجري في غزة على أنه موقف تكتيكي، فالصفقة بقيمة 35 مليار دولار وممتدة حتى عام 2040، بمعنى أنها خطوة ترمي إلى تأسيس تعاون اقتصادي بعيد المدى، وذي مكونات إستراتيجية تفوق السياقات التجارية التقليدية، وغير مرتبطة بطبيعة النظام الحاكم في البلدين.

استغلت إسرائيل التوقيت السياسي لكشف شكل التعاون الضخم مع مصر في مجال الغاز بهدف إحراجها والإيحاء أن خطاب القاهرة حيالها ملتبس، أو تشوبه تناقضات لتفريغه من بعض المعاني الصارمة التي حواها، وحصر معناه في البعد الدعائي، وربما لتبدو مصر “متواطئة” مع إسرائيل في نظر الجمهور العربي، والذي طالبها أحيانا بفتح معبر رفح لدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وبالتالي تحميلها جزءا من مسؤولية الإغلاق وإبعادها عن إسرائيل، وحققت هذه الاتهامات رواجا بعد الكشف عن صفقة الغاز، والتي اختارت إسرائيل توقيت الإعلان عنها بعناية شديدة.

انتبهت إسرائيل إلى خطأ توقيفها تصدير الغاز وتسييله في محطتي أدكو ودمياط على ساحل البحر المتوسط في مصر، بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة منذ نحو عامين، حيث لجأت القاهرة إلى استيراده من دول أخرى، ونجحت في تخفيف الضغوط الواقعة عليها، ولو بتكلفة مادية مرتفعة، وأكدت أن تل أبيب لن تتمكن من توظيف ورقة الغاز في الضغط عليها، وأنها قادرة على تنويع مصادرها من الطاقة.

◙ منذ الدخول في تعاون اقتصادي بين مصر وإسرائيل عقب توقيع اتفاقية السلام بينهما قبل نحو 46 عاما، لم يكن التعاون كبيرا بين الجانبين

ومن هنا قد يتلاشى أحد الأهداف الرئيسية للغاز المتعلق بالاستفادة منه في الضغط سياسيا على القاهرة، والذي من أجله قبلت إسرائيل بتصديره وتسييله بمصر واستئناف تصديره، في وقت اتسع نطاق المشاكل الداخلية الذي يفضي إليها شح الغاز.

شاب عودة إسرائيل لتصدير الغاز إلى مصر لغط كبير، لأن الأخيرة لم تكشف عن الصفقة ومحدداتها وحجمها وجدواها ودوافعها، وتركت للشركة الإسرائيلية المبادرة، وتوقيتها الذي اختير بعناية وأدى إلى ترسيخ صورة دعائية قاتمة، وأن هناك إطارا معلنا للعلاقات وآخر سريا، ولم يصدر عن مصر بيان توضيحيا بشأن توقيت الصفقة وأن المباحثات حولها سابقة لحرب غزة، ومكملة لصفقات عقدت من قبل.

علاوة على أن هذه الصفقة تتسق مع هدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، وأن التعاون مع إسرائيل في مجال الغاز يرمي إلى تقويض توجهها نحو توثيق علاقتها مع اليونان وقبرص بشأن استغلال غاز شرق البحر المتوسط، وأن اصطدام القاهرة بإسرائيل يمنح الثانية فرصة لتوثيق علاقتها مع دولتين حليفتين لمصر في مضمار الغاز بما ينعكس سلبا عليها، ويعرقل تعزيز دور منتدى شرق المتوسط.

كما أن تحركات مصر في شرق البحر المتوسط وجدت شكوكا من الولايات المتحدة، وترقب عن كثب ما يحدث في هذه المنطقة من تطورات، بسبب تفاعلات دولية يمكن أن تؤثر على موازيين القوى في العالم، فواشنطن تعلم أن عين روسيا لم تفارق المنطقة من خلال قواعدها العسكرية في اللاذقية وطرطوس بسوريا، أو عبر وجود شركة “غاز بروم” الروسية في شرق المتوسط، واعتقدت مصر أن شراكتها الغازية مع إسرائيل ربما تضمن لها تحييدا أميركيا نسبيا، ووجودا قويا مع تحالفات اقتصادية متباينة قد تتشكل في المنطقة لاحقا، بعد أن تهدأ العواصف بها.

وقد خلقت التعقيدات في فضاء الغاز فرصة أمام إسرائيل، وتمكنت من توجيه ضربة سياسية لمصر، بعد أن بدأ ميزان القوى يختل في ملف الغاز، فأحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى توقيع اتفاقيات مع تل أبيب لتصدير الغاز إلى إسرائيل منذ نحو عقدين، وسط معارضة شعبية داخلية، توظيفه في عملية الضغط السياسي عليها، وقت أن كانت مصر لديها احتياطات مبشرة من هذه السلعة.

وبعد أن زادت عمليات استهداف خطوط الغاز من مصر فإن إسرائيل انتبهت إلى خطورة ارتهانها للقاهرة في سلعة تمثل أهمية حيوية، وبدأت تضاعف من خطوات اكتشافاتها، وتراقب ما تخطط له بعض القوى الإقليمية من تحالفات غازية.

◙ التعقيدات في فضاء الغاز خلقت فرصة أمام إسرائيل، وتمكنت من توجيه ضربة سياسية لمصر، بعد أن بدأ ميزان القوى يختل في ملف الغاز

وفي الوقت الذي زادت فيه إسرائيل من اكتشافاتها وإنتاجها، تراجعت مصر، وبدت التقديرات الواعدة بشأن احتياطياتها من الغاز متشائمة، وتتحول من مصدّر إلى مستورد خلال فترة وجيزة، وهو ما جعل تل أبيب تدخل في شراكة تعاونية مع القاهرة، في ظاهرها شكل من أشكال التجارة الرائجة في العالم، بينما في مضمونها البعيد أداة للضغط السياسي عليها ووسيلة للمزيد من التطبيع معها، واستعمال الغاز كمدخل لكسر حاجز ظل يؤرق إسرائيل منذ سنوات بسبب وجود تحفظات على تطوير التعاون الاقتصادي مع مصر، ورهنه بأطر إقليمية تريد إسرائيل الفكاك منها.

ومنذ الدخول في تعاون اقتصادي بين مصر وإسرائيل عقب توقيع اتفاقية السلام بينهما قبل نحو 46 عاما، لم يكن التعاون كبيرا بين الجانبين، وشكت تل أبيب من محدوديته، واعتبرت ذلك دليلا على جفاف في العلاقة وعدم رغبة القاهرة في تطويرها وتعمد وضع عراقيل على مستوياتها المختلفة وقصرها على الطابع الدبلوماسي، ثم حدث اختراق على الصعيد الاقتصادي، وبدأ شكل التعاون يأخذ طابعا فرديا بمشاركة رجال أعمال ومستثمرين من البلدين، أو وجود وسيط مثل الولايات المتحدة لتخفيف حدة الحرج المصري، وإيجاد منافع كبيرة، كما هو حال اتفاقية الكويز بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، ومُنحت القاهرة بموجبها مزايا تفضيلية في السوق الأميركية عند تصدير ملابس مصرية بها مكونات إسرائيلية.

وظل تقدم أو تعثر هذه الاتفاقية مرتبطا إلى حد كبير بحالة العلاقات بين مصر وإسرائيل، وحجم التوتر الذي يعتريها، وفي النهاية لم تحقق الغرض السياسي المرجوّ منها، ودخلت مرحلة قريبة من التجميد، شبيهة بما هو حاصل على المستوى الثقافي، وبالطبع الشعبي، وكلاهما شهد ممانعات رسمية ضمنية من مصر، وتركت مساحة للمعارضة في الشارع وعبر وسائل الإعلام للتعبير عن مواقفها الرافضة للتعاون مع إسرائيل، وهو ما استندت إليه القاهرة لفرملة غالبية أشكال التعاون المتعددة حينذاك، والحفاظ على الجزء الخاص بالعلاقات الدبلوماسية، والذي كان يتأثر بتصرفات إسرائيل حيال القضية الفلسطينية.

ويؤدي كسر هذه الحلقة إلى تحولات في شكل العلاقة مع مصر، ويشير إلى أن المستقبل للتعاون الإقليمي الاقتصادي، وضرورة الفصل بينه وبين الأوضاع الأمنية في المنطقة، وهو الهدف الكامن لدى إسرائيل من وراء عقد صفقة غاز ضخمة مع القاهرة، والإعلان عنها وسط عملية عسكرية كبيرة في غزة.

4