60 عاما من معركة المعرفة.. العالم يجدد وعده بمحو الأمية

في اليوم الدولي لمحو الأمية.. المعرفة تظل الطريق الأوسع نحو الفرص والعدالة ومستقبل أفضل للجميع.
الثلاثاء 2026/09/08
المعرفة حق ومستقبل

تشياباس (المكسيك)- يتجدد اليوم الدولي لمحو الأمية في الثامن من سبتمبر من كل عام، ليعيد وضع قضية التعليم والقدرة على القراءة والكتابة في صدارة الاهتمام العالمي، باعتبارهما أساسًا للمعرفة والاندماج الاجتماعي وتحسين فرص العمل والمشاركة في الحياة العامة.

وتحمل نسخة عام 2026 أهمية خاصة، كونها تتزامن مع مرور 60 عامًا على إطلاق هذه المناسبة.

وتحت شعار “محو الأمية من أجل الإنسان والكوكب والازدهار”، تركز احتفالات هذا العام على توسيع مفهوم محو الأمية، وربطه بقدرة الإنسان على بناء حياة أفضل والمشاركة في مجتمعه والمساهمة في مستقبل أكثر استدامة.

وتطرح المناسبة سؤالًا يتجاوز تعلم القراءة والكتابة إلى كيفية توظيف المعرفة في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتسارعة.

بعد ستة عقود من إطلاق اليوم الدولي لمحو الأمية، تبدو المهمة العالمية أكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بمستقبل المجتمعات

وعلى مدى ستة عقود، تحول اليوم الدولي لمحو الأمية إلى محطة عالمية لتقييم ما تحقق في مجال التعليم، والكشف عن الفجوات التي لا تزال تحرم ملايين الأشخاص من امتلاك المهارات الأساسية.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن ما لا يقل عن 739 مليون شاب وبالغ حول العالم كانوا يفتقرون إلى مهارات القراءة والكتابة الأساسية في عام 2024.

ولا تقتصر المشكلة على البالغين، إذ تشير البيانات نفسها إلى أن نحو أربعة من كل عشرة أطفال لا يصلون إلى الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة في القراءة، بينما بلغ عدد الأطفال والمراهقين خارج المدرسة نحو 272 مليونًا في عام 2023.

وتعكس هذه الأرقام اتساع التحدي، خصوصًا في المجتمعات التي تواجه الفقر والنزاعات والنزوح وضعف البنية التعليمية.

وفي عام 2026، تستضيف ولاية تشياباس المكسيكية الاحتفال العالمي بالمناسبة يومي الثامن والتاسع من سبتمبر، بالتعاون بين منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة والحكومة المكسيكية.

ويجمع الحدث مسؤولين عن التعليم وخبراء ومعلمين وطلابًا، بهدف مناقشة التقدم المحرز والتحديات المستمرة والبحث عن سياسات عملية لتحسين مستويات محو الأمية حول العالم.

ويتضمن الاحتفال العالمي كذلك مراسم توزيع جوائز اليونسكو الدولية لمحو الأمية، التي تكرم برامج ومبادرات حققت نتائج مؤثرة في هذا المجال.

ويعكس ذلك توجهًا متزايدًا نحو دعم التجارب التي لا تكتفي بتوفير التعليم الأساسي، بل تبحث عن حلول قابلة للتطبيق داخل المجتمعات الأكثر احتياجًا.

وتأخذ قضية محو الأمية اليوم بعدًا جديدًا مع التحول الرقمي المتسارع. فالقدرة على القراءة والكتابة أصبحت نقطة انطلاق فقط أمام عالم تتدفق فيه المعلومات عبر الهواتف والمنصات الرقمية، ما يفرض على الأنظمة التعليمية تطوير مهارات إضافية تساعد الأفراد على فهم المعلومات وتقييمها واستخدامها بصورة آمنة وفعالة.

المناسبة تطرح سؤالًا يتجاوز تعلم القراءة والكتابة إلى كيفية توظيف المعرفة في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتسارعة

وهنا تبرز أهمية ربط محو الأمية بالتعلم مدى الحياة، إذ لم تعد المعرفة مرتبطة بمرحلة عمرية أو بسنوات الدراسة الأولى فقط.

فالتغيرات في سوق العمل والتكنولوجيا تتطلب قدرة مستمرة على التعلم واكتساب مهارات جديدة، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب والبالغين الذين لم تتح لهم فرص تعليمية كافية في مراحل سابقة من حياتهم.

كما تحمل الأمية آثارًا تتجاوز حدود التعليم، فهي ترتبط بفرص العمل والدخل والصحة والمشاركة المجتمعية والقدرة على الوصول إلى المعلومات والخدمات.

ولذلك تنظر المنظمات الدولية إلى محو الأمية باعتباره حقًا أساسيًا ووسيلة لدعم مجتمعات أكثر عدلًا وشمولًا، وليس مجرد مهارة مدرسية.

وبعد ستة عقود من إطلاق اليوم الدولي لمحو الأمية، تبدو المهمة العالمية أكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بمستقبل المجتمعات.

فالتحدي لم يعد فقط في تعليم من لم يتعلم القراءة والكتابة، وإنما في ضمان أن يمتلك الجميع الأدوات التي تمكنهم من التعلم والعمل والمشاركة واتخاذ القرارات في عالم يتغير بسرعة.

ويأتي الاحتفال في 2026 كتذكير بأن الاستثمار في المعرفة لا يبدأ وينتهي داخل المدرسة، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع ومكان العمل والفضاء الرقمي.

وكل خطوة نحو تقليص فجوة التعليم تعني توسيع فرص الإنسان في بناء مستقبله، وتعزيز قدرة المجتمعات على تحقيق التنمية والسلام والاستقرار.

ويبقى محو الأمية واحدًا من أكثر الاستثمارات تأثيرًا في الإنسان؛ لأن امتلاك القدرة على القراءة والفهم والتعلم لا يفتح باب المعرفة فحسب، بل يفتح أيضًا أبوابًا أوسع نحو العمل والكرامة والاستقلال والمشاركة.

ومن هنا تأتي أهمية أن تتحول المناسبة السنوية من مجرد محطة للاحتفال إلى فرصة متجددة لتحويل الحق في التعلم إلى واقع متاح للجميع.