وفرة المياه تعيد الحياة لحقول الأرز في العراق
المشخاب (العراق) – يشهد قطاع الزراعة في العراق تحولًا لافتًا مع عودة زراعة الأرز بعد سنوات من التراجع الحاد بسبب الجفاف ونقص الموارد المائية، في تطور يعكس تحسنًا مؤقتًا في وفرة المياه نتيجة الأمطار الغزيرة وزيادة تدفقات الأنهار.
وهذا الانتعاش أعاد الأمل إلى المزارعين وعزز توقعات الإنتاج المحلي، لكنه في الوقت ذاته يسلّط الضوء على هشاشة هذا التعافي في ظل تحديات مناخية وهيكلية مستمرة، تجعل مستقبل الأمن المائي والغذائي في البلاد رهينًا بعوامل داخلية وإقليمية معقدة.
وعاد المزارع علاء الإبراهيمي إلى زراعة الأرز في مزرعته الواقعة في قضاء المشخاب بمحافظة النجف، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات، بعد تحسن ملحوظ في إمدادات المياه التي كانت قد أجبرته سابقًا على التوقف عن الزراعة.
مهدي الجبوري: هذا التوسع الكبير إلى نحو 362 ألف دونم جاء نتيجة وفرة المياه في نهري دجلة والفرات
وقال الإبراهيمي لتلفزيون رويترز إن "شح المياه خلال العام الماضي حال دون زراعة محصوله،" موضحًا أن السلطات فرضت قيودًا صارمة بسبب الأزمة المائية، لكنه أشار إلى أن الوضع تغيّر هذا العام مع تحسن الموارد المائية، ما أتاح له استئناف نشاطه.
وفي حقوله الممتدة على مساحة تقارب 100 دونم (25 هكتارًا)، يعمل العمال حاليًا على زراعة أرز "العنبر"، الصنف المفضل لديه.
ويأتي هذا التحول بعد سنوات من الجفاف الحاد الذي أدى إلى تراجع احتياطيات المياه في العراق إلى مستويات قياسية متدنية، ودفع الحكومة إلى تقييد زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، وعلى رأسها الأرز.
ومع ذلك فإن الأمطار الغزيرة خلال الموسم الأخير، إلى جانب زيادة تدفقات المياه من دول المنبع، ساهمت في تحسين الوضع، ما سمح للمزارعين مجددًا بإغراق حقولهم بالمياه.
وقد توسعت المساحات المزروعة بالأرز هذا الموسم لتسجل أعلى مستوياتها خلال أربع سنوات، في تطور عزز من تفاؤل المزارعين، ودعم في الوقت ذاته جهود الحكومة لتعزيز الإنتاج المحلي من الغذاء.
ورغم هذا التحسن، لا تزال التحديات قائمة، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن العراق يحتل مرتبة متقدمة عالميًا من حيث التعرض لمخاطر التغير المناخي، في ظل اتجاه طويل الأمد يتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار.
وقال خبير المياه ومؤسس مركز العراق للتغير المناخي، هاري إستيبانيان، إن "التعافي الحالي حقيقي لكنه لا يزال غير مستدام،" محذرًا من إمكانية فقدان هذه المكاسب خلال موسم جفاف واحد.
300
ألف طن إنتاج الموسم الحالي بعدما كان ضعيفا للغاية في العام الماضي، وفق المسؤولين
ويُعد الأرز من المحاصيل الأساسية في العراق، كما أنه من أكثرها استهلاكًا للمياه، حيث يُزرع عادة في حقول مغمورة.
وكانت وزارة الزراعة قد سمحت العام الماضي بزراعة نحو 200 دونم (50 هكتارا) فقط بسبب شح المياه، لكنها رفعت هذا العام المساحة المسموح بزراعتها إلى نحو 362 ألف دونم (90.5 ألف هكتار).
وقال وكيل وزارة الزراعة، مهدي سهر الجبوري، لرويترز إن "هذا التوسع الكبير جاء نتيجة وفرة المياه في نهري دجلة والفرات."
وأشار إستيبانيان إلى أن مخزون المياه في العراق ارتفع إلى نحو 30 مليار متر مكعب خلال عام 2026، مقارنة بنحو 4.5 مليار متر مكعب فقط في العام السابق، الذي شهد واحدة من أسوأ أزمات المياه منذ عقود.
وبينما كان إنتاج الأرز ضعيفًا للغاية في العام الماضي، يتوقع المسؤولون أن يصل الإنتاج هذا الموسم إلى نحو 300 ألف طن.

ومن المقرر أن يُباع الجزء الأكبر من هذا الإنتاج إلى الدولة، ليُوزع ضمن نظام الحصص التموينية الذي يوفر مواد غذائية مدعومة للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. ومع ذلك، ستظل البلاد بحاجة إلى استيراد نحو 800 ألف طن لتغطية الطلب المحلي.
وفي غضون ذلك، يسارع المزارعون إلى استغلال تخفيف القيود المفروضة على الزراعة. ورغم أن أرز "العنبر" يحظى بتقدير واسع لجودته ورائحته المميزة، فإن العديد منهم يفضلون زراعة أصناف "الياسمين" نظرًا لغزارة إنتاجها وعوائدها الاقتصادية الأفضل.
واختار المزارع ستار سرحان زراعة أرز الياسمين فقط، نظرًا لإنتاجيته العالية، مشيرًا إلى أن معظم المزارعين يتجهون إلى هذا الخيار لتحقيق جدوى اقتصادية أكبر.
هاري إستيبانيان: التعافي الحالي حقيقي لكنه لا يزال غير مستدام ولا بد من الحذر من فقدان هذه المكاسب
ورغم التحسن الحالي، يرى خبراء أن مستقبل هذا التعافي يظل غير مؤكد. وأكد إستيبانيان أن الوضع أفضل بكثير مقارنة بعام 2025، لكنه شدد على أن أي توسع في الزراعة سيظل مرهونًا بحصص المياه المتاحة وكفاءة أنظمة الري.
كما حذر من أن العراق يدخل مرحلة من التقلبات المناخية والمائية المتزايدة، تتسم بتناوب فترات الجفاف الطويلة مع موجات أمطار غزيرة، ما يؤدي إلى مكاسب مؤقتة في تخزين المياه.
وتُعقّد عوامل أخرى هذا المشهد، من بينها السدود التي أقامتها تركيا وإيران على منابع الأنهار، وهو ما أدى إلى توترات عابرة للحدود، وترك العراق يعتمد بشكل كبير على جيرانه في نحو 70 في المئة من موارده المائية.
ولم يكن ارتفاع منسوب المياه هذا العام نتيجة الأمطار المحلية فقط، بل جاء أيضًا نتيجة زيادة التدفقات من دول المنبع، حيث أدت الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج إلى امتلاء الخزانات، ما دفع مشغلي السدود إلى تصريف المياه الزائدة.
ويبقى تحقيق الأمن المائي على المدى الطويل مرهونًا بتعزيز التنسيق الإقليمي، إلى جانب تنفيذ إصلاحات داخلية عميقة في إدارة الموارد المائية.
وفي الوقت الراهن، يعيش مزارعو الأرز في العراق حالة من التفاؤل الحذر. ويقول الإبراهيمي إن تحسن الظروف سيؤدي إلى تغيير وضعه المعيشي، مشيرًا إلى أن دخله سيساعده على تحسين مستوى معيشة أسرته وتأمين تعليم أبنائه.