واجهة حرب: الذكاء الاصطناعي يدخل مجلس الأمن

كبار مسؤولي شركات التكنولوجيا يقفون أمام مجلس الأمن: تحذيرات من خوارزميات قد تختصر المسافة بين التكنولوجيا وقرار الحرب.
الأربعاء 2026/09/23
اختبار مبكر لقدرة النظام الدولي على التعامل مع تكنولوجيا تتطور بسرعة

نيويورك- يدخل الذكاء الاصطناعي للمرة الثانية في تاريخ مجلس الأمن الدولي على خط نقاشات الأمن والسلم، لكن هذه المرة في ظل قلق متزايد من أن التطور السريع للأنظمة الأكثر تقدماً قد يفتح مخاطر تتجاوز الاستخدامات المدنية والتجارية إلى المجالات العسكرية والأمنية.

ويعقد المجلس الأربعاء جلسة رفيعة المستوى حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي، بدعوة من فرنسا التي تترأس أعمال المجلس خلال سبتمبر، وبمشاركة مسؤولين من أبرز شركات التكنولوجيا، بينهم الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه.آي» سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك» داريو أمودي، والمؤسس المشارك لـ«هاجينج فيس» كليمان ديلانج، إلى جانب عالم الذكاء الاصطناعي يوشوا بنجيو.

ويحمل حضور مسؤولي الشركات إلى قاعة مجلس الأمن دلالة تتجاوز الجانب التقني؛ فالتكنولوجيا التي كانت حتى سنوات قليلة شأناً يخص المختبرات والشركات أصبحت مرتبطة مباشرة بأسئلة الحرب والأمن القومي، من استخدام الأنظمة في تحليل المعلومات واتخاذ القرارات إلى الأسلحة ذاتية التشغيل والهجمات السيبرانية والتضليل واسع النطاق.

وتكمن حساسية النقاش في احتمال أن يؤدي تطور قدرات النماذج إلى تقليص الوقت المتاح للبشر لاتخاذ القرارات في الأزمات. ويشير تقرير حديث لـ«Security Council Report» إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضغط على الفاصل الزمني لصنع القرار العسكري، كما يثير استخدام الأنظمة ذات الاستقلالية المتزايدة أسئلة حول الرقابة البشرية والمساءلة ومدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

 

◄ الذكاء الاصطناعي لا يدخل مجلس الأمن باعتباره "طرفاً جديداً" في الحروب، بل باعتباره تكنولوجيا يمكن أن تغير طريقة خوضها وإدارتها واتخاذ قراراتها

ولا يعني ذلك أن الخوارزميات أصبحت طرفاً مستقلاً في الحروب، لكن المخاوف المطروحة أمام مجلس الأمن تتعلق بما يمكن أن يحدث إذا أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً، أو إذا جرى دمجها في منظومات عسكرية تعمل بسرعات تفوق قدرة البشر على التدخل.

ومن هنا يكتسب السؤال الذي يطرحه دبلوماسيون حول احتمال تفاعل أنظمة ذكاء اصطناعي مع بعضها البعض بطريقة تقود إلى تصعيد غير مقصود أهمية خاصة. فالمشكلة المحتملة لا تتعلق فقط بقرار واعٍ من دولة باستخدام التكنولوجيا في الحرب، وإنما أيضاً بإمكانية أن يؤدي خطأ في نظام آلي أو سوء تفسير لإشارة رقمية إلى تسريع أزمة بين دول تمتلك قدرات عسكرية متقدمة.

ويأتي هذا النقاش في وقت يتحول فيه الذكاء الاصطناعي نفسه إلى ساحة من ساحات التنافس بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين. فالتفوق في هذا المجال لم يعد مرتبطاً فقط بالشركات والأسواق، وإنما بالبنية التحتية للحوسبة والرقائق والبيانات والطاقة والقدرة على تطوير نماذج متقدمة، ما يضيف بعداً جيوسياسياً إلى النقاش حول قواعد السلامة والرقابة.

وتظهر المفارقة بوضوح في الموقف الأميركي. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء، رفض الرئيس دونالد ترامب ما وصفه بمحاولة إنشاء إطار عالمي للسيطرة على الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الولايات المتحدة تريد مواصلة تطوير التكنولوجيا، ومعلناً استخدام تسمية «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في الخطاب الرسمي الأميركي. وقال إن واشنطن لن تكبح نمو تكنولوجيا يرى أنها قد تكون أكبر أثراً من الثورة الصناعية.

وفي الجهة الأخرى، يدعو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى حوكمة دولية عاجلة للذكاء الاصطناعي، واقترح إطاراً متعدد الأطراف لإدارة المخاطر يخضع لإشراف مستقل. ويعكس هذا التباين صعوبة بناء قواعد مشتركة في وقت تنظر فيه الدول إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره في الوقت نفسه فرصة اقتصادية وأداة للقوة الاستراتيجية.

 

◄ من هي الجهة التي ينبغي أن تضع الحدود: هل تكون الحكومات؟ أم الشركات التي تطور التكنولوجيا؟ أم المؤسسات الدولية؟

أما شركات التكنولوجيا نفسها، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تقود السباق نحو تطوير نماذج أكثر قدرة، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بإثبات أن إجراءات السلامة والاختبار والرقابة تواكب سرعة التطور. ومن المتوقع أن يدفع ألتمان خلال جلسة مجلس الأمن باتجاه وضع معايير لقياس قدرات الذكاء الاصطناعي وتقييم إجراءات الحماية التي تتخذها الشركات أثناء تطوير النماذج.

ويعيد ذلك طرح سؤال الجهة التي ينبغي أن تضع الحدود: هل تكون الحكومات؟ أم الشركات التي تطور التكنولوجيا؟ أم المؤسسات الدولية؟ أم مزيجاً من هذه الأطراف؟

ويزداد تعقيد السؤال لأن الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجيا عسكرية حصراً. فهو قادر على المساعدة في رصد النزاعات ووقف إطلاق النار وتحليل أنماط العنف ودعم عمليات حفظ السلام والوساطة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يخفض كلفة الهجمات السيبرانية ويزيد سرعة انتشار المعلومات المضللة ويمنح الأنظمة العسكرية قدرات أكثر استقلالية.

وكان مجلس الأمن قد ناقش الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى في جلسة رسمية عام 2023، عندما بدأت المخاوف الدولية تتبلور حول الحاجة إلى وضع قواعد للتعامل مع التكنولوجيا الناشئة. لكن الفارق الآن أن قدرات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر تقدماً، فيما دخل السباق عليها قلب المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى.

وبذلك، لا يدخل الذكاء الاصطناعي مجلس الأمن باعتباره «طرفاً جديداً» في الحروب، بل باعتباره تكنولوجيا يمكن أن تغير طريقة خوضها وإدارتها واتخاذ قراراتها. والتحدي الذي يواجه الدول ليس فقط منع استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات، وإنما تحديد مستوى الاستقلالية المقبول للأنظمة عندما تكون نتائج قراراتها مرتبطة بحياة البشر وباحتمالات التصعيد بين الدول.

ومن هذه الزاوية، تبدو جلسة مجلس الأمن اختباراً مبكراً لقدرة النظام الدولي على التعامل مع تكنولوجيا تتطور بسرعة أكبر من القواعد التي تحاول تنظيمها: هل يستطيع البشر وضع حدود للذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح جزءاً لا يمكن فصله عن قرارات الحرب والسلم؟