هل ينهي التدخل السعودي الرسمي لعبة استهداف الإمارات

تدخّل السعودية بشكل رسمي لوقف الحملة سيدفع الكثيرين إلى التراجع، خاصة أن الغالبية تعتقد أن الحملة دفاع عن المملكة.
السبت 2026/01/31
الشيخ طحنون يأتي إلى المملكة متى شاء من دون استئذان، فهي بيته وقيادتها أهله

ظهر وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري بنفسه ليرد على الإشاعات والتسريبات الكثيرة التي تقف وراءها غرفة همها الوحيد قطع الطريق على التهدئة بين المملكة والإمارات وتضخ كل يوم إشاعات جديدة وفي مجالات مختلفة بشكل يصعب تطويقه ومنع الناس من تصديقها.

نفى الدوسري ما يتردد بشأن رفض بلاده استقبال نائب حاكم إمارة أبوظبي مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مؤكدًا أن ما جرى تداوله “غير صحيح”.

وقال الدوسري، في منشور على منصة إكس، إن الشيخ طحنون “يأتي إلى المملكة متى شاء من دون استئذان، فهي بيته وقيادتها أهله”، في إشارة واضحة إلى عمق العلاقات الأخوية بين البلدين.

ومن الواضح أن تدخل الدوسري في القضية بشكل مباشر يعكس موقفا رسميا من المملكة، التي تريد تطويق قوس الخلاف الطارئ مع الإمارات وجعله أمرا من الماضي، لكن غرفة ضخ الإشاعات تسعى إلى جعْله حيا، بنقل مستوى الادعاءات من الحملات الانطباعية على مواقع التواصل إلى إيراد قصص تصديقها يؤدي إلى شرخ فعلي بين البلدين، من ذلك الحديث عن منع استقبال شخصية من الأسرة الحاكمة في الإمارات، والإيحاء بأن ذلك مؤشر على قطيعة كبيرة بين البلدين وأنها وصلت إلى مستويات عليا مع معرفة هذه الغرفة أن الخليجيين قد يقبلون التغاضي عن كل شيء إلا المس من رموزهم، وهو ما يحمل الخلاف إلى مجال يصعب تطويقه.

إن تدخل الدوسري كان هدفه إظهار أن السعودية، وهي الشقيقة الكبرى، لا يمكن أن تنزلق إلى ما تخطط له الأطراف التي تحرك غرفة ضخ الأخبار الزائفة، وأن ما حصل قوس وأُغلق طالما أن الإمارات قد انسحبت كليا من اليمن وسحبت بدورها البساط من تحت أقدام هؤلاء الذين يعملون صباحا مساء وليلا على تخريب البيت الخليجي وزرع الفرقة ليجدوا موطئ قدم لهم.

السعودية الرسمية، وبعد تصريحات وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان ثم وزير الإعلام، توجه رسالة واضحة تفيد بأنها تجاوزت الخلاف وأن علاقتها بالإمارات عادت إلى ما قبل توتر اليمن، وأن لا علاقة لها بالحملة والتسريبات والإشاعات التي تسيء للإمارات ورموزها، والتي إنْ كان جمهور الفاعلين فيها سعوديين إلا أنها لا تعبر عن موقف رسمي، ولا تلزم القيادة السعودية، التي عبر عن موقفها من التوتر الأخير وزير الخارجية حين قال إنه طالما أن الإمارات انسحبت من اليمن فقد انتهى الأمر.

ويُنتظر أن تتحرك الجهات السعودية المعنية بتطويق الأزمة من أجل وقف الحملات على مواقع التواصل، والتي تتقدمها أسماء محدودة من إعلاميين ومحللين وكتاب فيما الأغلبية تتولاها حسابات على مواقع التواصل تحركت بشكل متزامن وبمحتوى يقوم على التشكيك في كل شيء بما في ذلك التاريخ المشترك والتحالف السابق.

كلام الدوسري كان هدفه إظهار أن المملكة لا يمكن أن تنزلق إلى ما تخطط له الأطراف التي تحرك غرفة ضخ الأخبار الزائفة

وربما يكون المسؤولون الخليجيون قد فوجئوا هم أنفسهم باتساع هذه الحملة وتجاوزها للخطوط الحمراء التي طالما رسمتها المملكة في إدارة الخلاف الإقليمي سواء داخل مجلس التعاون الخليجي أو مع أطراف أخرى مثل إيران.

الحملة جرّت المملكة دون أن تشعر إلى ملعب لا تريده، ملعب خدمة أجندات أطراف أخرى مناوئة في الأصل للمملكة، كنا أشرنا إليها في مقال سابق، وقلنا إن قائمة المستفيدين معروفة داخل المملكة من المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين من سروريين وشبكات نفوذ تراجعت إلى الواجهة الخلفية لكنها لا تزال مؤثرة في قطاعات مثل التعليم والإعلام والمؤسسة الدينية الرسمية، وشبكات أخرى خارج المملكة يحركها أنصار حزب الإصلاح اليمني وجهات أخرى من مصلحتها إرباك العلاقة بين الرياض وأبوظبي، وخاصة العلاقة المباشرة بين رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

تحولت الحملة، التي تجاوزت مستوى توقعات السعودية نفسها، إلى حملة عالمية استنفرت لها قوى الإسلام السياسي كل قوتها ونفوذها الإعلامي، وهو ما أشار إليه أنور قرقاش المستشار السياسي لدولة الإمارات، في المنتدى الإعلامي الإماراتي – الكويتي، بالقول إن بلاده تتعرض لحملة إعلامية غير مسبوقة تقوم على الافتراء والكذب والتزوير وتسعى إلى تشويه مواقفها وسياساتها الإقليمية والدولية، في توقيت تتكثف فيه الأزمات وتتعاظم فيه الحاجة إلى صوت العقل والحكمة.

ومن شأن إظهار العزم السعودي الرسمي على وقف الحملة أن يدفع الكثيرين إلى التراجع خاصة أن الغالبية تعتقد أن الحملة حكومية وأنها انتقام للسعودية ودفاع عن وزنها الإقليمي في حين أنها تخدم خصوم المملكة وتضرب الاستقرار الخليجي في العمق بالاجتراء على المس من الخطوط الحمراء والفجور في الخصومة واستعادة مناخ القطيعة الذي حف بما يعرف بأزمة مقاطعة قطر (يونيو 2017 – يناير 2021).

وفي هذا السياق تشتغل الحملة على استعادة مناخ تلك المقاطعة بضخ إشاعات عن منع زيارة استثماريين إماراتيين ودخول سلع إماراتية إلى المملكة والضغط على شركات عالمية مقيمة في الإمارات لتغيير مقر إقامتها إن كانت راغبة في العمل بالمملكة. وتعمل الإشاعات على خلط الأوراق هنا من خلال الاشتغال على الخلاف بشأن التنافس الاقتصادي وضغط السعودية قبل عام على شركات عالمية لفتح مقار إقليمية رئيسية على أراضيها، وتوظيف هذا المعطي القديم وتغذيته بأخبار مفبركة عن تسارع المنع للإقناع بصدقية الإشاعات وجر المواطنين السعوديين إلى التراجع عن شراء منتجات إماراتية أو السفر السياحي والتجاري إلى الدولة الجار والشريك الأساسي للمملكة في قضايا الإقليم والحليف في معركة النفط.

ولا شك أن تسريب إشاعات “المقاطعة” من شركات ومؤسسات سعودية يظهر وجود دوائر نفوذ داخلها ترفض التهدئة، وهي تمثل واجهة لجيوب الإسلام السياسي داخل المملكة تتحرك وقت الضرورة بعد أن خيرت الكمون في السنوات الماضية خوفا من تفكيكها في الحملة السعودية على السروريين والإخوان وبقية الجماعات المصنفة إرهابية في المملكة.

إن “الفجور في الخصومة” يهدف إلى جر النشطاء الإماراتيين على مواقع التواصل إلى دخول المعركة والكف عن سياسة ضبط النفس والالتزام بالقرار الرسمي.

دخول الإماراتيين إلى لعبة التخوين واستهداف الرموز والمس بالتاريخ عناصر من شأنها أن تشعل المعركة أكثر وتحقق لغرفة فبركة الأخبار والجهات التي تهندسها غايتها في ضرب التحالف السعودي – الإماراتي، وهو تحالف أبعد من ملف اليمن. هذا الملف ليس سوى عنصر من عناصر مختلفة للشراكة بينهما لعل أبرزها تشكيل جبهة ضد الإسلام السياسي والحركات الإخوانية في المنطقة.

تحاول مجاميع الإسلام السياسي من خلال توسيع دائرة الإشاعة جر السعودية إلى مربعها معتقدة أن الإمارات هي خصمها الإستراتيجي، وأنها هي من أثرت على المملكة ودفعتها لتصنيف الجماعة تنظيما إرهابيّا، وكأن السعودية ذات الثقل العربي والإسلامي في حاجة إلى من يملي عليها اتباع سياسات بعينها حتى لو كان جارا وشريكا إستراتيجيّا.

والسؤال هنا: هل أن انتقاد قرقاش علنا للحملة ووصفها بغير المسبوقة دليل على أن صبر بلاده بدأ ينفد أم أن الأمر يدخل في سياق إقامة الحجة وتأكيد أن سياسة الإمارات ستستمر هادئة ودون انفعال أو انجرار إلى منطق الخصومة الفجّة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الحقائق الثابتة لا تهزها حملات التضليل.

3