هل يصبح دحلان مهندس غزة ما بعد الحرب؟

دحلان، الذي كان أحد أبرز خصوم حماس، بات اليوم يتحرك عبر قنوات اتصال وتنسيق مع الحركة.
الاثنين 2026/08/24
دحلان وسيطا إقليميا ودوليا في ملف غزة

لندن – لم يعد اسم محمد دحلان يظهر في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة باعتباره مجرد قيادي فلسطيني سابق يعيش في المنفى، بل تحول تدريجيًا إلى أحد أبرز الأسماء المتداولة في حسابات اليوم التالي للحرب. فالرجل الذي حكم غزة فعليًا خلال ذروة مرحلة أوسلو، قبل أن تطيح به حركة حماس من القطاع عام 2007، عاد إلى المشهد من بوابة مختلفة: وسيطًا بين أطراف متناقضة، ومستشارًا للرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، وشخصية تمتلك قنوات اتصال مع دوائر القرار في واشنطن وإسرائيل والفصائل الفلسطينية.

وخلال الأشهر الأخيرة، كثف دحلان لقاءاته مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، كما تحرك بين أبوظبي والقاهرة وعواصم أخرى، في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية عن صيغة لإدارة غزة بعد الحرب. وتؤكد تقارير حديثة أن دحلان ساهم في الوساطة مع حماس، وشارك في طرح أسماء فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية.

السؤال، إذن، لم يعد فقط: هل يريد دحلان العودة إلى السياسة الفلسطينية؟ بل: هل يجري إعداد الرجل ليكون جزءًا من هندسة الحكم في غزة؟

المفارقة أن دحلان نفسه نفى، بحسب أشخاص شاركوا في لقاء مغلق عقد في أوروبا مطلع العام، اهتمامه بالعودة إلى السياسة. بل إن أحد المشاركين رأى أن تولي حكم غزة أو رئاسة السلطة الفلسطينية قد يمثل بالنسبة إليه تراجعًا عن موقعه الحالي كرجل نفوذ مستقل يمتلك علاقات واسعة مع مسؤولين كبار وأجهزة استخبارات ورؤساء دول.

لكن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة.

إذا تمكن دحلان من تقديم نفسه باعتباره جسرًا بين حماس وفتح، وبين الفلسطينيين والعرب وواشنطن، فقد يصبح واحدًا من أهم اللاعبين في غزة الجديدة

لم يكتفِ دحلان بالبقاء في موقع المستشار الإماراتي، بل تحول إلى قناة اتصال ذات أهمية في الملف الفلسطيني. وفي أغسطس/آب الجاري، تحدثت تقارير عن لقاءاته مع مسؤولين من حماس، وعن اتصالاته مع الإدارة الأميركية بشأن ترتيبات وقف الحرب ونزع سلاح الحركة. كما دخل اسمه في النقاشات المتعلقة بتشكيل إدارة فلسطينية جديدة للقطاع.

والأكثر دلالة أن قوى فلسطينية مرتبطة بدحلان عقدت في القاهرة لقاءات مع حماس لبحث إمكانية تشكيل قائمة انتخابية موحدة في الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني. وهو تطور يصعب فصله عن إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني كله، وليس فقط إدارة غزة.

لماذا دحلان؟

يمتلك الرجل مجموعة من الأوراق لا تتوافر بسهولة لشخصية فلسطينية أخرى.

فهو يعرف غزة من الداخل، ونشأ في مخيم خان يونس، وخاض العمل السياسي والأمني في القطاع، وتولى قيادة جهاز الأمن الوقائي هناك في عهد ياسر عرفات. كما راكم خلال تلك السنوات علاقات مع دوائر إسرائيلية وأميركية، قبل أن ينتقل، بعد خروجه من غزة ثم خلافه مع الرئيس محمود عباس، إلى الإمارات.

هذه الشبكة هي تحديدًا ما يجعله جذابًا للولايات المتحدة، التي تحتاج إلى شخصية تستطيع التواصل مع الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب في آن واحد.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بعلاقاته الخارجية؛ فدحلان يعمل منذ سنوات على إعادة بناء نفوذه الفلسطيني. وقد عزز ذلك عبر المساعدات والبرامج الإنسانية في غزة، حيث باتت جهات مرتبطة به توفر مواد غذائية ومساعدات للفئات الأكثر احتياجًا. وفي ظروف إنسانية كارثية كهذه، يمكن للمساعدة أن تتحول بسهولة إلى رأس مال سياسي.

لكن طريق دحلان إلى غزة ليس معبدًا. فالرجل يحمل إرثًا شديد الحساسية داخل الساحة الفلسطينية. فقد ارتبط اسمه بالتوتر مع سلطة الرئيس عباس، كما دخل في صراع دموي مع حماس انتهى بسيطرة الحركة على القطاع وإخراج قوات فتح منه.

ولهذا يرى منتقدوه أن تقديمه باعتباره رجل المرحلة المقبلة قد يعيد إنتاج المشكلة بدل حلها.

ويذهب مايكل ميلشتاين، الرئيس السابق لدائرة الشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إلى اعتبار فكرة عودة دحلان إلى قيادة غزة «خيالًا» إسرائيليًا لا يأخذ رغبات الفلسطينيين في الاعتبار، مشيرًا إلى أن الرجل لا يحظى بشعبية واسعة داخل المجتمع الفلسطيني.

وهنا تكمن واحدة من أكبر نقاط الضعف في المشروع: دحلان قد يمتلك علاقات دولية هائلة، لكنه لا يمتلك بالضرورة الشرعية الشعبية التي يحتاج إليها حاكم غزة المقبل.

قوى فلسطينية مرتبطة بدحلان عقدت في القاهرة لقاءات مع حماس لبحث إمكانية تشكيل قائمة انتخابية موحدة في الانتخابات التشريعية

المفارقة الأكثر إثارة أن دحلان، الذي كان أحد أبرز خصوم حماس، بات اليوم يتحرك عبر قنوات اتصال معها.

فالحرب غيرت حسابات الطرفين. حماس تواجه ضغوطًا هائلة بعد سنوات الحرب، ودحلان يحتاج إلى بوابة فلسطينية تعيده إلى قلب المشهد. وفي القاهرة، بدأت لقاءات بين الطرفين لبحث تحالفات انتخابية محتملة، في مشهد كان يبدو مستحيلًا قبل سنوات.

ولا يعني ذلك أن حماس أصبحت تثق بدحلان، أو أن الأخير تخلى عن خصومته التاريخية معها. والأرجح أن الطرفين يبحثان عن تقاطع مؤقت للمصالح: حماس تريد الخروج من الحرب بأقل خسائر سياسية ممكنة، ودحلان يريد أن يكون جزءًا من النظام السياسي الذي سيولد بعدها.

بالنسبة إلى واشنطن، قد يكون دحلان حلًا وسطًا بين استمرار نفوذ حماس وعودة السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية.

أما إسرائيل، فإن التعامل معه يطرح معضلة أخرى. فمن جهة، ترى فيه شخصية يمكن أن تساعد على إضعاف نفوذ محمود عباس، ومن جهة أخرى تخشى أن يؤدي إدخاله إلى المشهد الفلسطيني إلى منح غزة مركز ثقل سياسي جديد.

وتزداد أهمية ذلك في ظل الخلاف المستمر حول مستقبل القطاع. فخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تربط إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية والسياسية بملف نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية، بينما لا تزال إسرائيل مترددة في الالتزام بانسحاب كامل. وقد فشلت التحركات الأميركية الأخيرة في حسم هذه العقدة.

وهنا يمكن أن يصبح دحلان «الحل المؤقت»: شخصية فلسطينية قادرة على التعامل مع واشنطن والإمارات وإسرائيل، وفي الوقت نفسه فتح قنوات مع حماس وقيادات فتح.

هل يحكم دحلان غزة؟ الأرجح أن الإجابة ليست محسومة بعد.

فما يجري لا يشير بالضرورة إلى أن دحلان يستعد لتولي منصب رسمي مباشر في غزة، بقدر ما يشير إلى أنه يسعى لأن يصبح أحد صانعي القرار في المرحلة الانتقالية، سواء تولى منصبًا رسميًا أم بقي خلف الستار.

وقد يكون هذا الموقع أكثر فائدة له من العودة إلى منصب سياسي تقليدي. فدحلان بنى خلال السنوات الماضية نموذجًا للنفوذ يقوم على العلاقات والوساطة والمال والوصول إلى مراكز القرار، وليس على المؤسسات الرسمية وحدها.

لكن نجاح هذا المشروع سيصطدم بثلاثة اختبارات: القبول الفلسطيني، والموقف الإسرائيلي، وطبيعة الترتيبات الأميركية لليوم التالي.

إذا تمكن دحلان من تقديم نفسه باعتباره جسرًا بين حماس وفتح، وبين الفلسطينيين والعرب وواشنطن، فقد يصبح واحدًا من أهم اللاعبين في غزة الجديدة. أما إذا بقي مجرد مرشح تدعمه عواصم إقليمية ودولية من دون قاعدة فلسطينية حقيقية، فإن مشروعه قد يصطدم سريعًا بحقيقة السياسة الفلسطينية.

في الحالتين، هناك حقيقة بات يصعب تجاهلها: محمد دحلان لم يعد مجرد رجل من ماضي غزة. لقد عاد إلى مركز المشهد من بوابة الحرب، والسؤال الآن ليس ما إذا كان سيعود، وإنما إلى أي حد ستسمح له غزة الجديدة بأن يكون جزءًا من مستقبلها.

1