هل من مصلحة سوريا فتح جبهة ضد حزب الله؟
منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، لم تتوقف التكهنات بشأن موقع سوريا الجديد ضمن التوازنات الإقليمية، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران وحزب الله. ومع كل تطور أمني أو سياسي في المنطقة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل يمكن أن تتحول سوريا الجديدة إلى طرف مباشر في مواجهة حزب الله، وان تتخلى عن حذرها وتختار التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحزب الذي كان خصما قويا وعنيف ضد فصائل الثورة السورية؟
ازدادت أهمية هذا السؤال بعد ما تردد عن ضغوط أميركية مورست خلال الاتصالات مع القيادة السورية الجديدة لدفعها نحو تشديد المواجهة مع الحزب، وبعد تسريبات ربطت بين الانفتاح الغربي على دمشق وبين دور سوري أكثر فاعلية في احتواء النفوذ الإيراني داخل المشرق العربي، وظهر خاصة بعد الحديث عن ترتيب زيارة للشرع إلى الولايات المتحدة وربطها الاعتراف الأميركي بالحرب على حزب الله
وجاءت تصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، التي قال فيها إن سوريا رفضت المشاركة في “كماشة” مع إسرائيل ضد لبنان، لتمنح هذه التساؤلات بعدا أكثر واقعية، ولتكشف في الوقت نفسه عن أن فكرة الزج بدمشق في مواجهة مباشرة مع الحزب ليست مجرد فرضية إعلامية، بل خيار يجري تداوله في بعض الدوائر الإقليمية والدولية.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المبررات موجودة، بل ما إذا كانت المصلحة السورية تتقاطع فعلا مع هذا الخيار.
الحرب التي يفترض أن تستنزف إيران قد تتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج نفوذها بأشكال جديدة وتحررها من أي التزامات تترتب عن اتفاقها الحالي مع الولايات المتحدة
من الناحية السياسية والأمنية، لا يصعب العثور على أسباب تدفع دمشق إلى اتخاذ موقف متشدد من حزب الله. فالعلاقة بين الطرفين تحمل إرثا ثقيلا من الصراع الذي رافق الحرب الأهلية السورية. قطاع واسع من البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالشرع ينظر إلى الحزب باعتباره أحد أبرز القوى التي ساهمت في تثبيت نظام بشار الأسد خلال سنوات الحرب، كما أن الحزب متهم في الخطاب السني السوري بالمشاركة في عمليات عسكرية ومجازر ذات طابع طائفي خلال المعارك التي شهدتها مدن وبلدات سورية عديدة.
وتضاف إلى ذلك الاتهامات المستمرة للحزب بمحاولة الحفاظ على شبكات تهريب السلاح والمخدرات عبر الأراضي السورية نحو لبنان، وهو ما تعتبره السلطات الجديدة تحديا مباشرا لسيادتها وجهودها الرامية إلى فرض السيطرة الكاملة على الحدود.
وبالنتيجة، فإن عناصر العداء السياسي والمذهبي والأمني موجودة بالفعل، كما أن المزاج الشعبي العام داخل سوريا لا يبدو متعاطفا مع إيران أو حزب الله بعد أكثر من عقد من الحرب.
غير أن وجود المبررات لا يعني بالضرورة وجود المصلحة. فالقيادة السورية الجديدة تدرك أن أي مواجهة مع حزب الله لن تبقى محصورة في إطار أمني أو حدودي محدود، بل قد تتحول بسرعة إلى صراع طائفي واسع النطاق يعيد إنتاج الظروف التي قادت إلى انهيار الدولة السورية سابقا.
وهنا تحديدا تكمن المعضلة الكبرى.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان مقتنعتين بأن المواجهة العسكرية التقليدية مع إيران وحلفائها، رغم ما حققته من نتائج، غير كافية لإخراج طهران نهائيا من معادلة النفوذ الإقليمي. فالضربات العسكرية قد تدمر منشآت وتضعف قدرات، لكنها لا تمنع إيران من إعادة بناء نفوذها خلال سنوات قليلة، ولا تحول دون إعادة تسليح حلفائها وفي مقدمتهم حزب الله.
ومن هذه الزاوية، قد يبدو استدراج إيران وحلفائها إلى صراعات استنزافية طويلة الأمد أكثر جاذبية من الحروب المباشرة المكلفة.
لكن المشكلة أن الساحة الأكثر قابلية لهذا النوع من الاستنزاف هي سوريا نفسها.
فإذا تحولت المواجهة مع حزب الله إلى صراع ذي طابع مذهبي، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام نسخة جديدة من الحرب السورية، بكل ما حملته من استقطاب سني – شيعي وتعبئة عابرة للحدود. وعندها لن تكون المعركة بين إسرائيل وإيران، بل بين معسكرات مذهبية متشددة تستحضر ذاكرة الحرب الأهلية بكل تفاصيلها.
الخطر في هذا السيناريو أنه يفتح الباب مجددا أمام عودة التنظيمات الجهادية المتشددة مثل داعش والقاعدة للاستفادة من أجواء التعبئة الطائفية. وفي المقابل، قد تجد إيران فرصة لإعادة تفعيل شبكاتها العابرة للحدود واستدعاء تشكيلات مثل “فاطميون” و”زينبيون” وغيرهما من المقاتلين الذين شاركوا سابقا في الحرب السورية.
أما حزب الله نفسه، الذي خرج مثقلا بالخسائر من مواجهاته الأخيرة مع إسرائيل، فقد يجد في مثل هذا الصراع فرصة لإعادة تعبئة جمهوره واستعادة جزء من شرعيته القتالية عبر تقديم نفسه باعتباره رأس حربة في مواجهة ما يصفه بـ”الإرهاب” السني.
بمعنى آخر، فإن الحرب التي يفترض أن تستنزف إيران قد تتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج نفوذها بأشكال جديدة، وتحررها من أي التزامات تترتب عن اتفاقها الحالي مع الولايات المتحدة.
كما أن إيران قد تنظر إلى هذا النوع من الصراعات باعتباره فرصة للتعويض الاستراتيجي. فبدلا من خوض مواجهة عنوانها البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، تستطيع تحويل الأنظار نحو حرب جديدة في سوريا، بما يسمح لها باستعادة حضورها داخل دمشق وتعزيز موقع حزب الله في لبنان تحت شعار الدفاع عن الحلفاء ومواجهة التهديدات الوجودية.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الحرب نادرا ما تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة.
أظهرت التجربة السورية السابقة كيف يمكن لصراع محلي أن يتحول بسرعة إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي تتدفق إليها الأموال والأسلحة والمقاتلون من اتجاهات مختلفة. لكن الظروف الإقليمية الحالية تختلف جذريا عن تلك التي كانت قائمة قبل عقد من الزمن.
فدول الخليج التي لعبت أدوارا مختلفة خلال سنوات الحرب السورية تبدو اليوم أكثر رفضا للانخراط في مغامرات استنزافية جديدة. الأولوية الخليجية لم تعد إسقاط أنظمة أو إدارة حروب بالوكالة، بل تنفيذ مشاريع اقتصادية عملاقة وتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا.
ومن الصعب تصور أن العواصم الخليجية مستعدة للعودة إلى دائرة الإنفاق العسكري والسياسي المفتوح في مواجهة طويلة مع إيران وأذرعها، خاصة بعد أن أثبتت التجارب السابقة أن نتائج هذه الصراعات لا تتناسب مع كلفتها الباهظة.
السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المبررات موجودة، بل ما إذا كانت المصلحة السورية تتقاطع فعلا مع هذا الخيار
كما أن الحرب الأخيرة وما رافقها من تفاهمات أميركية إيرانية عززت لدى عدد من دول المنطقة قناعة بأن واشنطن مستعدة لعقد صفقات كبرى دون إشراك حلفائها الإقليميين بصورة مباشرة، وهو ما يدفع هذه الدول إلى توخي مزيد من الحذر تجاه أي مشروع صدامي جديد.
أما بالنسبة إلى أحمد الشرع، فإن المنطق السياسي يشير إلى أن الانخراط في حرب مع حزب الله سيكون أقرب إلى الانتحار الاستراتيجي منه إلى المكسب السياسي.
فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الدمار تحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى الانتصارات العسكرية. وهي تراهن اليوم على استعادة دورها الإقليمي وجذب الاستثمارات وإعادة بناء الاقتصاد وربط نفسها بالمشاريع التجارية واللوجستية التي تصل الخليج بأوروبا عبر المشرق. وأي انفجار أمني واسع سيقوض هذه الرهانات بالكامل.
كما أن البنية الداخلية السورية ما تزال هشة. فالمكونات المختلفة تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستنفار والحذر، فيما تعمل قوى محلية عديدة على تعزيز قدراتها الذاتية تحسبا لأي تغيرات مفاجئة. وفي مثل هذا المناخ، قد تكون رصاصة واحدة ذات خلفية طائفية كافية لإطلاق سلسلة من التفاعلات التي يصعب احتواؤها لاحقا. لهذا تبدو الخيارات السورية أكثر ميلا إلى الاحتواء منه إلى المواجهة.
وأقصى ما تستطيع دمشق القيام به ضد حزب الله هو تشديد الرقابة على الحدود، وملاحقة شبكات التهريب، ومنع انتقال السلاح إلى لبنان، وتضييق هامش الحركة أمام الحزب داخل الأراضي السورية، دون أن تنخرط في حرب مفتوحة معه.
كما أن الموقف الإسرائيلي العدائي تجاه السلطة الجديدة يجعل من الصعب على الشرع التفكير في أي تنسيق علني أو سري مع تل أبيب ضد حزب الله، لأن ذلك سيقوض شرعية مشروعه السياسي داخليا وعربيا.
وتظهر مختلف المؤشرات أن سوريا الجديدة ليست مستعدة لأن تكون أداة في حرب بالوكالة ضد حزب الله أو إيران. وما قاله نعيم قاسم عن رفض سوريا المشاركة في تطويق الحزب يعكس، على الأرجح، إدراكا سوريا عميقا بأن أخطر ما يمكن أن تواجهه البلاد اليوم ليس قوة حزب الله أو نفوذ إيران، بل إحياء البيئة التي أنتجت الحرب الأهلية نفسها.
لقد انتصرت البراغماتية السورية، حتى الآن، على إرث الصراع القديم. والشرع الذي ينظر إلى بلاده باعتبارها جسرا اقتصاديا بين الخليج وأوروبا يدرك أن طريق إعادة بناء سوريا لا يمر عبر جبهة جديدة مع حزب الله، بل عبر تجنب حرب قد تحرق ما تبقى من فرص الاستقرار في المشرق كله.