هل صنعت إسرائيل نظاما معاديا في دمشق؟
دمشق - بينما تحاول سوريا الخروج من أكثر من عقد من الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة، يبرز الجيش بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الانتقالية. فدمشق تحتاج إلى قوة نظامية قادرة على فرض سيادة الدولة وتوحيد التشكيلات المسلحة، لكن إعادة بناء هذه القوة تثير في الوقت نفسه قلق إسرائيل التي تنظر إلى أي تحول عسكري سوري باعتباره احتمالاً لأمن جديد على حدودها.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز مسألة حجم الجيش السوري الجديد وتسليحه: هل كان يمكن لإسرائيل أن تدفع باتجاه سوريا أكثر استقراراً وأقل عداءً لها، لو اختارت منذ البداية بناء الثقة مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بدلاً من التعامل معه أساساً من زاوية الخطر الأمني؟ وهل ساهمت الضربات والتهديدات الإسرائيلية في دفع دمشق إلى التفكير في بناء قوة عسكرية تجعلها أقل اعتماداً على الآخرين وأكثر قدرة على حماية قرارها، وربما أكثر استعداداً لمواجهة إسرائيل مستقبلاً؟
لا يعني ذلك أن بناء الجيش السوري سببه إسرائيل وحدها. فسوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج بطبيعة الحال إلى مؤسسة عسكرية نظامية تحل محل التشكيلات المتعددة وتعيد احتكار الدولة للسلاح. كما أن دمشق تواجه ملفات أمنية وحدودية معقدة، من حزب الله والفصائل المسلحة إلى الترتيبات مع تركيا والعراق ولبنان. لكن الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع هذا المسار قد تكون عاملاً مؤثراً في تحديد طبيعة الجيش الذي ستبنيه سوريا وعقيدته الأمنية.
بالنسبة إلى الشرع، إعادة بناء الجيش يمكن أن تكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تأسيس الدولة. فسوريا التي خرجت من الحرب لا تستطيع الاستمرار في ظل تعدد مراكز القوة، ولا يمكن للسلطة المركزية أن تفرض سيادتها من دون مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة.
لكن الجيش الذي يُبنى في بيئة إقليمية تشعر فيها دمشق بأنها مهددة قد يتشكل وفق أولويات مختلفة عن الجيش الذي يُبنى في بيئة من التفاهمات والضمانات الأمنية.
وهنا تكمن المفارقة. فإذا كان الهدف الإسرائيلي المعلن هو منع نشوء تهديد عسكري سوري جديد، فإن استمرار الضربات والتهديدات قد يدفع القيادة السورية إلى اعتبار امتلاك قوة عسكرية أكثر تطوراً شرطاً للاستقلال السياسي وحماية القرار الوطني. أما إذا نشأت بين دمشق وإسرائيل ترتيبات أمنية تقوم على خفض التوتر والحدود الواضحة والضمانات المتبادلة، فقد تتجه الموارد السورية بدرجة أكبر إلى إعادة الإعمار والاقتصاد والخدمات، بدلاً من سباق التسلح.
وتظهر أهمية هذا السؤال في ظل حاجة سوريا الهائلة إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب. فالبلاد تحتاج إلى استثمارات وبنية تحتية ومؤسسات قادرة على استيعاب ملايين السوريين، سواء ممن نزحوا داخلياً أو عادوا من الخارج. ولذلك فإن توجيه جزء كبير من الموارد نحو الدفاع قد يفرض كلفة على مسار التنمية، حتى إذا كان بناء الجيش ضرورة سيادية لا يمكن تجاهلها.
في هذا السياق يأتي تقرير نشره موقع «واللا» الإسرائيلي، مستنداً إلى مصادر أمنية، ليكشف عن قلق متزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من مسار إعادة بناء الجيش السوري. وبحسب التقرير، فإن الشرع يوجه موارد من الدولة، بما فيها عائدات الضرائب والمساعدات الدولية، إلى بناء جيش نظامي كبير وشراء منظومات تسليح، فيما ترى المصادر الإسرائيلية أن دمشق تحاول إبقاء استراتيجية بناء القوة بعيداً عن الأضواء.
إذا كان الهدف الإسرائيلي هو منع نشوء تهديد عسكري سوري، فإن استمرار الضربات قد يدفع الشرع إلى اعتبار امتلاك قوة عسكرية أكثر تطوراً شرطاً لحماية القرار الوطني
والأكثر دلالة في التقرير أن بعض المصادر الأمنية الإسرائيلية تتحدث عن «فرصة تاريخية» ضاعت، معتبرة أن إسرائيل كان بإمكانها، في المرحلة الأولى من حكم الشرع عندما كان وضعه الداخلي أكثر هشاشة، التوصل إلى تفاهمات حول الحدود والترتيبات الأمنية والجولان. ووفق هذه القراءة الإسرائيلية، فإن التردد والانشغال بجبهات أخرى ساهما في تفويت فرصة كان يمكن أن تنتج واقعاً مختلفاً في العلاقات بين دمشق وتل أبيب.
وهذه النقطة تحديداً تجعل المسألة أكبر من مجرد خلاف أمني على تسليح الجيش السوري. فهي تطرح احتمال أن تكون سياسة الاحتواء والردع قد أنتجت نتيجة معاكسة لبعض أهدافها: بدلاً من إبقاء سوريا ضعيفة عسكرياً، قد تدفع المخاوف والضغوط القيادة الجديدة إلى الاستثمار أكثر في بناء مؤسسة عسكرية قوية.
كان يمكن لمسار مختلف أن يبدأ من حقيقة أن الشرع ورث دولة منهكة، واقتصاداً مدمراً، ومجتمعاً خرج من حرب طويلة، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء. وفي مثل هذه الظروف، فإن فتح قناة ثقة مبكرة مع دمشق كان يمكن أن يمنح القيادة السورية حافزاً أكبر لتثبيت خطاب يركز على الاستقرار والتنمية والعلاقات الإقليمية، بدلاً من التعامل مع إسرائيل باعتبارها تهديداً دائماً.
لكن الثقة تحتاج إلى بيئة تسمح ببنائها. والتطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه البيئة أصبحت أكثر هشاشة. فقد قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بعد الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في أغسطس، إن المحادثات مع إسرائيل توقفت، وإن دمشق لا تثق بإسرائيل في الوقت الراهن، داعياً إلى خطوات لبناء الثقة.
وفي المقابل، ترى إسرائيل أن إعادة بناء الجيش السوري، خصوصاً إذا شملت قدرات جوية ودفاعات جوية ومنظومات يمكن أن تحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي، تمثل تطوراً أمنياً لا يمكن تجاهله. وكانت إسرائيل قد نفذت بعد سقوط نظام بشار الأسد ضربات واسعة ضد قدرات الجيش السوري السابق، شملت طائرات وأنظمة دفاع جوي ومخازن أسلحة ومواقع صاروخية، وفق تقارير إسرائيلية نقلتها «واللا».
وهكذا تبدو العلاقة عالقة في دائرة متبادلة: إسرائيل ترى في بناء الجيش السوري تهديداً محتملاً، ودمشق قد ترى في الضغوط الإسرائيلية سبباً إضافياً لبناء جيش قادر على حماية الدولة.
لا توجد وسيلة للجزم بأن سياسة إسرائيلية أكثر انفتاحاً كانت ستؤدي حتماً إلى سوريا أقل عداءً أو إلى جيش لا ينظر إلى إسرائيل كخصم. فالشرع يحمل إرثاً سياسياً وعسكرياً معقداً، كما أن بناء الجيش السوري تحكمه اعتبارات داخلية وإقليمية تتجاوز العلاقة مع إسرائيل.
لكن السؤال الاستراتيجي يظل قائماً: هل كان الاستثمار في بناء الثقة مع القيادة السورية الجديدة سيخدم الأمن الإسرائيلي على المدى الطويل أكثر من إبقاء دمشق تحت ضغط عسكري دائم؟
فالتقارب العربي والدولي مع دمشق يشير إلى أن عدداً من الدول، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وتركيا ودول أوروبية، تتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها مشروع دولة ينبغي تثبيته وإبعاده عن مسارات الفوضى. كما أن واشنطن نفسها تحدثت عن دور سوري محتمل في التعامل مع تهديدات إقليمية، بما فيها حزب الله، فيما أكد الشرع في وقت سابق أن سوريا لا تريد الانخراط في حرب إقليمية وأنها عازمة على تجنب التصعيد.
ومن هذه الزاوية، فإن بناء علاقة أكثر استقراراً بين دمشق وتل أبيب كان يمكن أن يفتح مجالاً أمام الشرع لتركيز أكبر على الاقتصاد وإعادة الإعمار، وعلى بناء مؤسسات الدولة، وعلى تقديم سوريا الجديدة باعتبارها دولة تبحث عن الاستقرار لا عن فتح جبهة جديدة.