هل تواجه إيران أزمة في بنية السلطة؟

تكشف تصريحات عراقجي عمق أزمة النظام الإيراني حيث لم يعد الخطر خارجيًا فقط، بل داخليًا يمس توازن مراكز القوة ويهدد وحدة القرار السياسي والأمني.
الاثنين 2026/07/27
رسالة موجهة إلى الخارج

لم تكن أهمية تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اعترافه بوجود اختراقات أمنية داخل إيران، فهذه القضية أصبحت جزءًا من المشهد السياسي منذ سنوات. الأهمية الحقيقية تكمن في أنها فتحت نقاشًا أعمق حول طبيعة الدولة الإيرانية، وحول قدرة النظام على الحفاظ على التوازن بين مراكز القوة التي شكّلت بنيته منذ قيام الجمهورية الإسلامية.

لا يمثل الأمن مجرد وظيفة مؤسسية في إيران، فهو جزء من فلسفة الحكم نفسها. منذ عام1979  ارتبط مفهوم الأمن بحماية الثورة والحفاظ على مشروعها السياسي، ولذلك فإن أي اختراق داخل المؤسسات الحساسة لا يُنظر إليه باعتباره خللًا تقنيًا فقط، وإنما باعتباره مسألة تمس قدرة النظام على حماية نفسه.

إيران تواجه اختبارًا بنيويًا في قدرتها على إعادة ضبط العلاقة بين مؤسساتها وسط تنافس الحرس الثوري والحكومة والمرشد على تعريف الخطر ومستقبل السلطة

شهدت إيران خلال السنوات الماضية عمليات نوعية استهدفت منشآت نووية وشخصيات عسكرية وعلماء وقيادات أمنية. إن أهمية هذه العمليات تكمن في الرسالة التي حملتها حول قدرة أطراف خارجية على الوصول إلى دوائر يُفترض أنها الأكثر تحصينًا. وعندما تتكرر هذه العمليات، يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد معرفة الجهة المنفذة، ليصل إلى طبيعة البيئة الداخلية التي سمحت بحدوثها.

لفهم هذه الظاهرة، يجب النظر إلى طبيعة النظام الإيراني. فالجمهورية الإسلامية ليست دولة تعمل من خلال مؤسسة واحدة تملك القرار الكامل، بل هي شبكة معقدة من مراكز النفوذ. المرشد الأعلى يمثل المرجعية النهائية، والحرس الثوري تحوّل خلال العقود الماضية إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية واسعة التأثير، بينما تعمل الحكومة ووزارة الخارجية ضمن مساحة تحكمها توازنات داخلية دقيقة.

هذه البنية تشبه ما يمكن وصفه بـ”الدولة الثورية”، حيث تتداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع مؤسسات نشأت لحماية أهداف الثورة. هذا التداخل منح النظام قدرة كبيرة على الصمود في مواجهة أزمات عديدة، لكنه خلق في الوقت نفسه منافسة داخلية حول الصلاحيات والنفوذ، خاصة عندما تضعف قدرة المركز على ضبط الإيقاع بين الأطراف المختلفة.

لهذا فإن قضية الاختراق الأمني لا يمكن فصلها عن صراع أوسع حول مستقبل النظام. فالمسألة لا تتعلق فقط بكفاءة الأجهزة الأمنية، بل بمن يملك تعريف الخطر، ومن يحدد أولويات الدولة، ومن يمتلك النفوذ الأكبر في المرحلة المقبلة.

تزداد حساسية هذه القضية مع اقتراب إيران من مرحلة انتقالية مرتبطة بمستقبل القيادة. فالأنظمة التي تعتمد على شخصية مركزية في ضبط التوازنات تواجه عادة تحديات أكبر عندما تبدأ مرحلة البحث عن خليفة أو إعادة ترتيب مراكز القوة. في مثل هذه الظروف، تصبح المؤسسات الأكثر امتلاكًا للأدوات الأمنية والتنظيمية أكثر قدرة على التأثير في شكل المرحلة القادمة.

السؤال الأكبر في إيران لم يعد فقط: من يقف خلف الاختراقات الأمنية؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الحفاظ على وحدة القرار في مرحلة تتغير فيها موازين النفوذ داخلها؟

من هنا يمكن فهم تصريحات عراقجي، فهي تبدو رسالة موجهة إلى الخارج، وتعكس نقاشًا داخليًا حول أسباب الخلل والمسؤولية عنه. الاعتراف باستمرار الاختراق يعني أن المشكلة تكمن في قدرة المنظومة على إنتاج استجابة فعالة تمنع تكرارها.

كما أن الصراع داخل إيران يدور بين رؤيتين لمستقبل الدولة: رؤية ترى أن الحفاظ على نفوذ الثورة الإقليمي والاعتماد على أدوات القوة الصلبة يمثلان الضمان الأساسي لبقاء النظام، ورؤية أخرى ترى أن استمرار المواجهة يفاقم الضغوط الداخلية ويحتاج إلى مراجعة سياسية واقتصادية تعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الحرس الثوري يقف في قلب هذه المعادلة، فهو لم يعد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل أصبح لاعبًا مؤثرًا في السياسة والاقتصاد والأمن. هذا النفوذ جعله عنصرًا أساسيًا في استقرار النظام، لكنه جعله أيضًا جزءًا من النقاش حول توزيع السلطة وحدود تأثير المؤسسات المختلفة.

مع ذلك، لا تعني هذه التحولات أن النظام الإيراني يقترب بالضرورة من الانهيار، فقد أثبت خلال أكثر من أربعة عقود قدرة عالية على التكيف وإعادة ترتيب موازين القوة واحتواء الأزمات. لكن التحدي الحالي يختلف عن أزمات سابقة، لأنه يتعلق بطريقة عمل النظام من الداخل، وليس فقط بقدرته على مواجهة خصومه.

إن تصريحات عراقجي تكشف أن السؤال الأكبر في إيران لم يعد فقط: من يقف خلف الاختراقات الأمنية؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الحفاظ على وحدة القرار في مرحلة تتغير فيها موازين النفوذ داخلها؟

فالدول لا تفقد قوتها عندما ينجح خصم في اختراقها مرة، وإنما عندما يصبح الاختراق انعكاسًا لخلل أعمق في العلاقة بين مؤسساتها، وعندما تتحول الخلافات الداخلية من وسيلة لإدارة التوازن إلى عامل يستهلك قدرة الدولة على الفعل.

6