هل تنجح سياسة "المكافأة مقابل نزع السلاح"؟
واشنطن- يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة صياغة العلاقة مع لبنان على قاعدة جديدة تقوم على ربط الدعم السياسي والاقتصادي والأمني الأميركي بمدى قدرة الدولة اللبنانية على الحد من نفوذ حزب الله ونزع سلاحه.
وتبدو هذه المقاربة، وفق رؤية واشنطن، محاولة لاستثمار اللحظة التي يمر بها الحزب بعد سلسلة من الانتكاسات العسكرية، ومنع إيران من استعادة نفوذها في لبنان عبر استغلال وقف إطلاق النار والمسار التفاوضي مع الولايات المتحدة. إلا أن نجاح هذه السياسة يبقى رهناً بقدرة بيروت على تحويل التعهدات إلى إجراءات ملموسة، وبقدرة واشنطن على الاحتفاظ بأوراق الضغط وعدم تقديم المكاسب قبل تحقق النتائج.
وقد حمل لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون مع ترامب في واشنطن في يوليو مؤشرات واضحة إلى هذا الاتجاه. فقد أبدت الإدارة الأميركية استعداداً لدعم الجيش اللبناني، وإعادة الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، وتشجيع الاستثمار وإعادة الإعمار، إلى جانب بحث احتياجات الجيش.
كما ارتبطت هذه الحوافز بمحاولة دفع لبنان إلى الاقتراب من واشنطن في وقت تسعى فيه إيران إلى الحفاظ على موقع حزب الله وقدرته على إعادة بناء ترسانته.
التحدي الحقيقي ليس في تحديد ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة دعم لبنان، وإنما في تحديد توقيت الدعم وشروطه وآلية قياس نتائجه
غير أن المعضلة الأساسية تكمن في أن «المكافأة» الأميركية بدأت، وفق منتقدي السياسة الحالية، تتقدم على «الأداء» اللبناني. فاتفاق الإطار الموقع في 26 يونيو لا يقوم على مكافأة لبنان لمجرد اصطفافه السياسي مع واشنطن، بل يربط المساعدات الأميركية الجديدة والانسحاب الإسرائيلي التدريجي بإجراءات لبنانية قابلة للتحقق، تشمل فرض احتكار الدولة للسلاح، ونزع سلاح حزب الله على المستوى الوطني، وتفكيك بنيته العسكرية وقطع مصادر تمويله.
ومن هنا، فإن تقديم الحوافز مسبقاً قد يحرم واشنطن من أهم أدوات الضغط التي تملكها لدفع بيروت نحو تنفيذ التزاماتها.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب طبيعة حزب الله السياسية والاجتماعية والعسكرية داخل لبنان. فالحكومة اللبنانية تخشى أن يؤدي اللجوء إلى القوة لنزع سلاح الحزب إلى إشعال صراع داخلي، الأمر الذي يدفعها إلى تفضيل مسار تدريجي وتفاوضي. لكن هذا المسار نفسه قد يمنح الحزب الوقت لإعادة تنظيم صفوفه وترميم قدراته، خصوصاً بعدما أدت الحرب والضربات الإسرائيلية إلى إضعاف قيادته وترسانته وبنيته التحتية.
ولذلك، فإن الرهان الأميركي لا يتعلق فقط بإقناع الحكومة اللبنانية بنزع السلاح، بل أيضاً بمنع تحول العملية إلى مسار طويل يمكن للحزب تعطيله أو إفراغه من مضمونه.
وحتى الآن، تبدو خطوات بيروت محدودة مقارنة بحجم المطلوب. فقد بدأ الجيش اللبناني العمل في ثلاث مناطق تجريبية في الجنوب، يفترض أن يكون نزع سلاح حزب الله فيها والتحقق من سيطرة الجيش عليها مقدمة لانسحاب إسرائيلي.
لكن هذه الخطوات لم تثبت بعد، بصورة علنية، تفكيك البنية العسكرية للحزب أو منع عودته إلى تلك المناطق. كما لا تزال آليات التحقق والمواعيد النهائية للتنفيذ غير محسومة، فيما لا يبدو أن لبنان وضع مساراً وطنياً واضحاً يتجاوز هذه المناطق التجريبية.
وتكشف هذه المحدودية عن مشكلة أعمق في الاستراتيجية الأميركية: واشنطن تريد استخدام الحوافز لتشجيع بيروت، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان ألا تتحول الحوافز إلى مكاسب يحصل عليها لبنان قبل تنفيذ التزاماته. فإذا حصلت بيروت على دعم اقتصادي وأمني وسياسي واسع من دون تقدم فعلي في ملف السلاح، فقد تتراجع قدرة الولايات المتحدة على استخدام هذه الأدوات لاحقاً.
◄ تكرار معادلة الانسحاب مقابل وعود غير قابلة للتحقق قد يؤدي إلى النتيجة نفسها، أي إعادة إنتاج المشكلة بدلاً من حلها
وبذلك، يمكن أن تتحول سياسة «المكافأة» من وسيلة للضغط إلى مجرد حافز للبقاء في الوضع القائم.
كما أن الخلاف حول ترتيب الخطوات يعقد المعادلة أكثر. فالرئيس عون يطالب بانسحاب إسرائيلي قبل استكمال التحقق من نزع سلاح حزب الله، بينما يرفض الحزب مناقشة ترسانته قبل الانسحاب الإسرائيلي.
وهكذا، تتحول المسألة إلى حلقة مفرغة: بيروت تريد انسحاباً إسرائيلياً لتسهيل نزع السلاح، وإسرائيل تريد ضمانات بشأن السلاح قبل الانسحاب، فيما يرفض حزب الله الربط بين الأمرين أساساً. وبدون حسم هذا الترتيب، قد يبقى اتفاق الإطار عرضة للتأويلات المتناقضة.
ولا يقتصر التحدي على الجانب العسكري. فمواجهة البنية المالية لحزب الله لا تزال، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، محدودة ومبكرة.
صحيح أن مصرف لبنان اتخذ إجراءات لمنع المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة من التعامل مع «القرض الحسن» والجهات المرتبطة به، لكن الإجراءات لم تصل إلى مستوى تفكيك الشبكات المالية غير الرسمية للحزب.
كما تشير التقييمات الأميركية إلى استمرار استخدام الحزب قنوات متعددة تشمل النقد والذهب وشركات الواجهة وشبكات التجارة والتهريب والعملات المشفرة.
الرهان الأميركي لا يتعلق فقط بإقناع الحكومة اللبنانية بنزع السلاح، بل أيضاً بمنع تحول العملية إلى مسار طويل يمكن للحزب تعطيله أو إفراغه من مضمونه.
وهنا تكمن المفارقة التي تواجه ترامب: نجاح الاستراتيجية الأميركية يحتاج إلى لبنان قوي وقادر على فرض سيادة الدولة، لكن بناء هذه القدرة يتطلب دعماً أميركياً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
وفي المقابل، فإن تقديم هذا الدعم بلا شروط صارمة قد يسمح باستمرار الوضع الذي تسعى واشنطن إلى تغييره.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في تحديد ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة دعم لبنان، وإنما في تحديد توقيت الدعم وشروطه وآلية قياس نتائجه.
وتشير التجارب السابقة إلى خطورة الانسحاب من دون معالجة أصل المشكلة. فقد انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، ثم انسحبت من مناطق إضافية بعد حرب 2006، لكن ذلك لم يؤد إلى نزع سلاح حزب الله. بل تمكن الحزب من إعادة تقديم نفسه باعتباره قوة «مقاومة» في مواجهة تهديد إسرائيلي دائم، واحتفظ بقدرات عسكرية واسعة.
وبالتالي، فإن تكرار معادلة الانسحاب مقابل وعود غير قابلة للتحقق قد يؤدي إلى النتيجة نفسها، أي إعادة إنتاج المشكلة بدلاً من حلها.
وعليه، فإن سياسة ترامب القائمة على «المكافأة مقابل نزع السلاح» قد تكون أكثر واقعية من سياسة تقديم الدعم للبنان بصورة غير مشروطة، لكنها لن تنجح إلا إذا بقيت المكافآت مرتبطة بمراحل واضحة وقابلة للقياس. فالمطلوب من واشنطن ليس وقف دعم لبنان، وإنما تحويل الدعم إلى أداة نفوذ مرتبطة بنتائج محددة: سيطرة الجيش على المناطق، تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، تعطيل شبكاته المالية، ومنع إعادة بناء ترسانته.
وفي النهاية، يبدو أن المعركة التي يخوضها ترامب في لبنان ليست مجرد محاولة لإبعاد بيروت عن طهران، بل اختبار لقدرة واشنطن على استخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني لصياغة سلوك الدولة اللبنانية.
وإذا حصل لبنان على المكاسب قبل تنفيذ التزاماته، فقد تخسر الولايات المتحدة أهم أوراق الضغط لديها.
وأما إذا بقيت المساعدات والاستثمارات والضمانات مرتبطة بالتنفيذ الفعلي، فقد تتحول سياسة «المكافأة مقابل الأداء» إلى أداة لإعادة ترسيخ سلطة الدولة اللبنانية وتقليص هامش حزب الله.
ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع بيروت تنفيذ ما تطلبه واشنطن، أم أن الحسابات الداخلية ستدفعها إلى إبطاء العملية حتى تفقد واشنطن نفوذها؟.