موسم الرياض وساعي البريد
يتحسس عقلي كل أسلحته في الحال، عندما أسمع عبارة "التطابق التام بين وجهات النظر" في ما يخص العلاقات بين الدول. إنسانيًّا؛ ليس هناك تطابق تام بين البشر، فما بالك بالسياسة.
الدول بينها دائمًا، مهما تقاربت، منافسة. لكنها لا تعني الصراع. هذه بديهيات، إلا أننا في أزمنة الالتباس نحتاج إلى تفسير الماء رغم أنه ماء.
تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفيه السعودية أعلن أن موسم الرياض المقبل سيعتمد على العازفين والموسيقيين السعوديين والخليجيين، بالإضافة إلى المسرحيات السعودية والخليجية مع التطعيم بأخرى سورية وعالمية. لتنطلق بعدها التساؤلات حول أسباب استبعاد مشاركة الفنانين المصريين.
أول ما خطر ببالي بعد قراءة تدوينته هو “تمام.. حقهم،” فهذا حق أصيل للسعوديين في اتخاذ قراراتهم، وتذكرت تصريحات الفنان المصري بيومي فؤاد لي في حواره الذي انفردت به "العرب" قبل حوالي عام. قال إن السعوديين "يفكرون في ما هو قادم، ويقومون الآن ببناء قاعدة فنية سعودية من المخرجين والممثلين ومديري التصوير والمصورين وغيرهم، ويستعينون بنا الآن ويكرّموننا، ولا يهينوننا، فهم لا ينسون فضل مصر".
وتساءل “عندما يذهب الفنان أشرف عبدالباقي لتدريب ممثلين شباب من الجنسين ويُخرج مجموعات من المتميزين؛ فكيف نرفض هذا؟ وما المانع؟”
مَن قال إن الهجوم على مشاركة الفنانين المصريين كان مدفوعًا أو موجهًا؟ لو كان كذلك فكيف ننظر إلى تجدد الهجوم بعد استبعادهم؟
يعرف الفنانون المصريون منذ وقت مبكر أن هذا سيحدث يومًا ما، ولا ضير، إنما هو الفخر بالمساهمة في بناء قاعدة فنية في بلد آخر كبير. وقال لي بعضهم إن مصر بأجهزتها الرسمية لو كانت ترفض مشاركتهم لتم إبلاغهم بذلك، “ولو بمكالمة تليفون،” ووقتها كانوا سيلتزمون.
هذا سلوك الكبار، والتكامل بين الكبار مهم، كما أن التنافس موجود، بل مطلوب، ولا يعني هذا طمس التاريخ أو غض الطرف عن الدور لأيّ من المتنافسين. والفنون بالتحديد لا تُصنع كي تُعرض في بلادها فحسب، إنما غاية المنى أن تصل إلى أبعد مدى وحدّ.
أما ما لا يليق، فهو أن يقوم الإعلامي المصري عمرو أديب، الحاصل على الجنسية السعودية، بتأجيج نيران الفتنة بقوله إن السبب هو نفاد صبر السعوديين بسبب هجوم المصريين على موسم الرياض، ملمّحا إلى أن جهة بعينها في مصر تحرك هذا.
هل يقوم أديب بدور ساعي البريد؟ لنا أن نتساءل عن فحوى الرسالة التي يريد نقلها ومن أيّ جهة، لنردّ عليه بسؤال هو: مَن قال إن الهجوم على مشاركة الفنانين المصريين كان مدفوعًا أو موجهًا؟ لو كان كذلك فكيف ننظر إلى تجدد الهجوم بعد استبعادهم؟
حقيقة الأمر إنها ردود الأفعال التلقائية للشعوب، التي أتاحت لها السوشيال ميديا الحرية كاملة، والشعب المصري حساس للغاية في ما يمس كرامته، ليس في الفن وحده.
المؤكد عندي أن تركي آل الشيخ يحب مصر للغاية، لكنه أيضًا انخرط في مواقف وتصريحات عبر السوشيال ميديا، التي يهتم بها كثيرًا رغم انشغالاته، أثارت حساسية المصريين وترصدهم، عندما دخل مجال كرة القدم، وجمهور الكرة لا حسابات عنده أو سياسات تهمه، أما الدول فعلاقاتها لا تُبنى على ردود أفعال الجماهير، إنما بالمواقف المسؤولة وسلوك الكبار.
أخيرًا، يعلن كاتب هذه السطور أنه يحب الموسيقى الخليجية، ويتمنى أن يتلقى الفن السعودي دَفعة جديدة عبر الفن السوري مثلما تلقى الدَّفعة المصرية.. أين المشكلة؟ لا أدري.