مودعون يشعلون الإطارات في بيروت.. الودائع لا تزال رهينة
بيروت- شهدت شوارع وسط بيروت يوم الخميس مشهداً مألوفاً ومقلقاً في آن معاً: اعتصام لمودعين تحول بسرعة إلى مواجهات مع القوى الأمنية، إطارات مشتعلة في ساحة رياض الصلح، تدافع أمام فرع بنك بيروت، وإصابات في صفوف المتظاهرين بينهم وزير سابق.
المشهد ليس جديداً في لبنان ما بعد 2019، لكنه يعكس تصعيداً جديداً في صوت آلاف المودعين الذين يرون في أموالهم المحتجزة لدى المصارف حقاً مسلوباً بعد سبع سنوات من الأزمة.
ونُظم التحرك بدعوة من جمعية المودعين بالتعاون مع جمعية المودعين المغتربين، وبمشاركة بارزة لجمعية "صرخة المودعين".
وبدأ الاعتصام أمام السرايا الحكومية في ساحة رياض الصلح، حيث أشعل المتظاهرون الإطارات، قبل أن ينتقلوا باتجاه وزارة المالية ثم وزارة الاقتصاد والتجارة. هناك اندلعت المواجهات.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بإصابة عدد من المحتجين، فيما أكد علاء خورشيد، رئيس جمعية "صرخة المودعين"، أن الوزير السابق عصام شرف الدين تعرض للضرب على أيدي القوى الأمنية بعد قطع الطريق. وقعت اشتباكات أخرى أمام وزارة الاقتصاد، حيث حاول الأمن منع إشعال المزيد من الإطارات.
ومنذ أكتوبر 2019، فرضت المصارف قيوداً صارمة على السحوبات والتحويلات بالعملات الأجنبية، فيما انهارت الليرة وفقدت معظم قيمتها. تحولت الودائع، التي كانت تُعتبر "مقدسة"، إلى أرقام على دفاتر الحسابات لا يمكن لأصحابها الوصول إليها بحرية. التقديرات تتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات لا تزال محجوزة، فيما يستفيد جزء من المودعين من تعاميم مصرف لبنان (158 و166) التي تسمح بسحوبات شهرية محدودة وصلت مؤخراً إلى حدود ألف دولار لبعض الفئات. لكن هذه المبالغ لا تعوض الخسائر الحقيقية ولا تعيد الثقة.
وتعود جذور المشكلة إلى نموذج اقتصادي اعتمد على تدفقات الودائع والفوائد المرتفعة، مدعوماً بهندسات مالية من مصرف لبنان. عندما توقفت التدفقات وانهارت الثقة، انكشف حجم الفجوة. المصارف حملت جزءاً كبيراً من الدين العام، والدولة عجزت عن السداد، والودائع أصبحت رهينة معادلة معقدة بين الخسائر والسيولة والمسؤوليات.
اليوم، بعد مرور سبع سنوات، لا يزال "قانون الفجوة المالية" أو قانون استرداد الودائع والإصلاحات المالية عالقاً.
وقال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في وقت سابق من سيتمبر إنه لا يتوقع إقرار الإصلاحات وقانون استرداد الودائع قبل ستة إلى ثمانية أشهر. هذا التصريح جاء ليزيد من غضب المودعين الذين يرون في كل تأخير استمراراً لسياسة التأجيل.
ويسعى مشروع القانون الذي أعدته الحكومة إلى تحديد حجم الخسائر وآليات توزيعها واسترداد الودائع على مراحل، لكنه يواجه تحفظات من المصرف المركزي وصندوق النقد الدولي.
يذكر أن الاحتجاجات ليست وليدة اللحظة. ففي يوليو 2026، هاجم مودعون فروعاً مصرفية في مناطق مثل المكلس وسن الفيل، محطمين واجهات ومشعلين نيراناً أمام بنوك بيبلوس وبنك بيروت وبلوم بنك، تحت شعار "سبع سنوات كافية".
هذه التحركات، سواء السلمية أو العنيفة، تعكس تحولاً في الخطاب: من المطالبة بالحلول إلى التذكير بأن "القضية لن تُنسى".
ويقول مراقبون إن التصعيد الآنمرتبط بعدة عوامل اهمها، الإرهاق النفسي والمالي. إذ أن كثيرا من المودعين، خاصة الصغار والمتوسطين، يعتمدون على هذه الأموال لتغطية تكاليف العلاج أو التعليم أو المعيشة اليومية. ولا تكفي السحوبات المحدودة بالتعاميم لا تكفي في ظل التضخم وارتفاع الأسعار.
ثانياً، غياب أفق سياسي واضح. الحكومة والمجلس النيابي يتعاملان مع الملف بحذر شديد، خوفاً من تداعيات على الاستقرار المصرفي أو من ردود فعل أصحاب المصارف.
ثالثاً، الشعور بالظلم المزدوج: المودعون يرون أن كبار المودعين أو المرتبطين بالسلطة حصلوا على امتيازات، بينما هم يدفعون الثمن.
ويكشف الأمر عن معادلة صعبة. إذ ان إعادة الودائع كاملة دفعة واحدة مستحيلة عملياً في ظل حجم الفجوة ونقص السيولة الأجنبية. ويتمثل الحل المطروح عادة يقوم على مراحل: حماية صغار المودعين أولاً، ثم إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين الكبار، مع ضمانات شفافية.
ويؤكد خبراء أن الوضع الراهن يعني استمرار الاقتصاد النقدي، وهروب رؤوس الأموال، وتآكل الثقة في أي نظام مصرفي مستقبلي.
كما أن القوى الأمنية تجد نفسها في موقف حرج: حماية المؤسسات من جهة، وتجنب تصعيد الشارع من جهة أخرى.
ويبدو أن التصعيد في 17 سبتمبر الحالي ليس نهاية المطاف. جمعيات المودعين أعلنت أن التحركات ستستمر حتى إقرار خطة عادلة. هذا يعني مزيداً من الاعتصامات أمام السرايا والمصارف والوزارات، وربما امتداداً إلى مناطق أخرى. في الوقت نفسه، أي عنف مفرط قد يُستغل سياسياً أو يؤدي إلى ردود فعل أمنية أقسى، مما يعمق الانقسام.
ويؤكد خبراء ان الحل الحقيقي يتطلب أكثر من قانون. يحتاج إلى إرادة سياسية لتوزيع الخسائر بعدالة، وإعادة هيكلة حقيقية للقطاع المصرفي، وشفافية في أرقام الفجوة، وخطة اقتصادية شاملة تعيد الثقة. وبدون ذلك، ستبقى ساحات بيروت مسرحاً متكرراً لغضب المودعين، وستظل الودائع رمزاً لأزمة أكبر: أزمة ثقة في الدولة والمؤسسات.