من يعرقل جهود بولس وتيتيه في ليبيا؟
من الذي يقف بقوة وراء العمل على عرقلة تنفيذ الاتفاق الصادر عن لجنة “4+4″؟ ولماذا؟ المشهد الحالي في ليبيا لا يزال مثقلاً بالأسئلة الصعبة، ومختنقًا بحبل الغموض الملتف حول عنقه. لكن أخطر ما يثير الانتباه هو استمرار البعض من صانعي القرار في المنطقة الغربية في المراهنة على الحرب كحل حاسم ونهائي لحالة الانقسام، مع استدعاء الخطاب الديني المتشدد، والخطاب القبلي والجهوي والمناطقي والفئوي المتشنج، واعتبار المواجهة مع القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد معركة وجود لا مناص من خوضها، سواء بعد شهر أو بعد عام.
لنأخذ مثلاً الصادق الغرياني الذي عزله مجلس النواب من منصب مفتي البلاد منذ 12 عامًا، ولا يزال يرأس دار الإفتاء في غرب البلاد بدعم الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومة الوحدة. لم يخالف عقيدته المتشددة وتدخله المتعمد لإفشال المسار السياسي، ومضى يحرّض ضد اتفاق الاجتماع المصغر، حيث وصفه بالمشؤوم واعتبره فاقدًا للسند القانوني والشرعي ومؤامرة على الشعب الليبي، وحذّر الحكومة من الركون إلى القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أو الوثوق بها، مستشهدًا بالنصوص الشرعية التي تحرّم الركون إلى الظالمين. كما اتهم البعثة الأممية برعاية وتسيير لجنة “4+4” رغم علمها المسبق بأنها فاقدة للشرعية (من وجهة نظره).
الغرياني طالب الشعب الليبي بالوقوف بقوة ضد حفتر ومنعه من دخول طرابلس أو بسط نفوذه، ورأى أن اتفاق “4+4” الذي يجمع بين قيادة الجيش وعبدالحميد الدبيبة إنما يمدد لهما الحكم لفترة إضافية، ويمنح حفتر سياسيًا ما عجز عن تحقيقه بالسلاح والحروب في المنطقة. خطاب المفتي لم يخرج عن تصلبه المعهود وتمسكه بالحرب وسفك الدماء خيارًا لحسم الوضع العام في البلاد، واعدًا من سيُقتل من فريق المحسوبين عليه بدخول الجنة، كما اعتاد دائمًا على توزيع صكوك الغفران.
موقف الغرياني جاء امتدادًا لمواقفه السابقة التي واجه بها قيادة الجيش منذ إطلاق عملية الكرامة في مايو 2014، والتي جعلت منه عرّاب “فجر ليبيا” وراعياً روحياً للجماعات الإرهابية التابعة لتنظيمي داعش والقاعدة في بنغازي ودرنة وسرت وغيرها. وفي أغسطس الماضي أدان بشدة إعدام 11 إرهابيًا من المتورطين في ذبح المدنيين وتصفية العسكريين والأمنيين وموظفي الدولة في شرق البلاد قبل تحريره، ووصف عمليات الإعدام بأنها “غادرة” وتتم باسم القانون من خلال محاكمات شكلية هزلية تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
القيادة العامة للجيش الليبي قدمت نموذجاً في قبول الحلول السياسية لكنها تحتفظ بخيار التحرير إذا استمرت القوى الغربية في تعطيل التوافق ورفض توحيد المؤسسات
مجلس الدولة الاستشاري الخاضع لسيطرة تيار الإسلام السياسي لا يمكن أن يخرج عن توجيهات ومواقف الغرياني، نظرًا لوحدة الهدف والمشروع. فالإخوان ومن يدورون في فلكهم من قادة الميليشيات وأمراء الحرب يراهنون على اللحظة التي يخوضون فيها معركة الفصل الأخير مع قوات الجيش، ويعتبرون أن أي محاولة لتوحيد المؤسسات أو تنظيم انتخابات تعددية من دون عراقيل دستورية، أو تجاوز مرحلة الانقسام في اتجاه بناء الدولة الموحدة السيدة على قرارها، ضربة قاصمة لأهدافهم السياسية والعقائدية.
وكان رئيس المجلس محمد تكالة قد أعلن رفضه حضور مراسم توقيع اتفاق لجنة الحوار المصغر (4+4) الذي رعته الأمم المتحدة، انطلاقًا من موقفه بأن تلك اللجنة تفتقر إلى الشرعية لعدم تمثيلها الكافي للأطراف والمؤسسات الليبية. وقال إنه لا يقبل بتقديم مخرجات اجتماع ضيق على أنها توافق وطني دون مشاركة المؤسسات الرسمية في صياغتها، مشيرًا إلى أن دور الأمم المتحدة يجب أن يمكن الليبيين من صناعة التوافق بأنفسهم، لا فرض مخرجات جاهزة لإضفاء الطابع الرسمي عليها.
المجلس العسكري في مصراتة أعلن حالة الطوارئ وتشكيل غرفة عمليات عسكرية بالمدينة ردًا على اتفاق لجنة “4+4″، كما قرر تشكيل غرفة عمليات جديدة تضم قادة المحاور واتحاد الثوار والكتائب العسكرية بالمدينة، داعيًا كافة الجهات السياسية والكتائب العسكرية في مصراتة إلى تحديد موقفها بوضوح من اتفاق لجنة الحوار المصغر. هذا الموقف اتخذته مجالس عسكرية أخرى وميليشيات مسلحة في مدن الساحل الغربي وجبل نفوسة، تأكيدًا على تلقي الجميع كلمة السر التي جرى الاتفاق عليها سابقًا لعرقلة الحل وتأبيد الأزمة.
أطراف داخلية وخارجية تدعو رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي للتمسك بمنصبه، وتطالبه بإحباط أية محاولة للمجيء بالفريق صدام حفتر بديلاً عنه، وبالتالي الإطاحة بالخطة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس وبخارطة الطريق التي تديرها هانا تيتيه.
المعروف عن الفرقاء السياسيين في ليبيا اعتمادهم على تبادل الأدوار وخلط الأوراق واللعب على حبال الوقت في تأمين بقائهم في السلطة. وهم عندما يجلسون على الكراسي يخططون جيدًا سواء لإحباط مهمة تيتيه أو للإطاحة بمشروع بولس، ولديهم من القدرة ما يساعدهم على إقناع الآخر بضرورة أن ينسى أو يتناسى محاولات الحلحلة، وأن يتنحى جانبًا مكتفيًا بالإشادة باستمرار ليبيا في تصدير النفط والغاز.
غير أن للطرف المقابل خياراته؛ فالقيادة العامة قدمت للعالم كشفًا واضحًا عن مواقفها. وافقت على خطة الإدارة الأمريكية وشاركت بفاعلية في التوصل إلى اتفاق لجنة “4+4″، وهي تقدم نموذجًا مهمًا في إدارة الدولة وتكريس سيادتها داخل مناطق نفوذ الجيش. ولديها من الدوافع والمبررات والسند الشعبي والاجتماعي ما يتيح لها إمكانية تفعيل حالة الانقسام، على أن لا تقبل بديلاً سوى نيل الدعم الإقليمي والدولي لقرارها بإتمام عملية التحرير، طالما أن الحل السياسي لا يجد في غرب البلاد القوى السياسية والميدانية القادرة على تحقيقه وجعله الخيار الذي لا رجعة عنه.
النص الآن مصقول لغويًا، خالٍ من الأخطاء الإملائية والنحوية، مع ضبط علامات الترقيم وتنسيق الجمل لتكون أكثر وضوحًا وانسيابًا.