من الردع إلى إدارة المخاطر: تحولات السياسة الأميركية في سوريا
واشنطن- في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تشكيل عميقة في بنية الأمن والنفوذ الإقليمي والدولي.
وفتح هذا التحول الباب أمام نشوء ترتيب أمني مختلف، خصوصًا في شرق البلاد، حيث خفّضت الولايات المتحدة وجودها العسكري وانتقلت من دور الردع المباشر إلى مقاربة تقوم على «الإشراف المرن» وإدارة المخاطر اليومية بدل التحكم الصارم بالميدان.
وبات نجاح هذا التحول، وما إذا كان سيمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية أو يعيد إنتاج دوامات العنف، مرتبطًا بجملة من التوازنات المعقدة بين الفاعلين المحليين والإقليميين، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل، إضافة إلى قدرة السلطة الجديدة في دمشق على فرض حياد أمني ومنع التعبئة الهوياتية.
ومع انهيار النظام السابق، تراجع الحضور الإيراني الذي كان عنصرًا حاسمًا في الصراع السوري منذ عام 2011، كما انكفأ الدور الروسي، وبرزت في دمشق سلطة مركزية جديدة محدودة القدرة على بسط نفوذها الكامل.
وتزامن هذا التغير مع نية واشنطن تقليص انتشارها العسكري في الشرق السوري، ما أدى إلى تبدل طبيعة الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة.
وبعد أن اعتمدت الولايات المتحدة لسنوات على نموذج ردعي شبه ثابت، أصبحت اليوم تميل إلى إدارة الوضع عبر وساطات موضعية، وضبط الاحتكاكات، ومراقبة التطورات الميدانية لمنع الانزلاق إلى فراغ أمني.
وفي شمال وشرق سوريا، تتوزع مراكز القوة بين ثلاثة أقطاب رئيسية: السلطة الجديدة في دمشق، والبنى المدعومة من تركيا في الشمال، وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية في الشرق.
ورغم اختلاف أهداف هذه الأطراف وتناقض مشاريعها، فإنها تشترك في مصلحة واحدة تتمثل في خفض منسوب الاحتكاك المباشر، عبر تفاهمات عملية تضمن استمرار فتح الطرق الرئيسية، والحفاظ على منشآت حساسة، وإدارة ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية.
الدور الأميركي بات أقرب إلى الوسيط الذي يسعى إلى تثبيت وضع قائم هش، بدل أن يكون طرفًا ضامنًا لترتيب أمني شامل.
ويرى الباحثان خضر خضور وعصام قيسي في تقرير نشره مركز كارينغي أن الدور الأميركي في هذا السياق بات أقرب إلى الوسيط الذي يسعى إلى تثبيت وضع قائم هش، بدل أن يكون طرفًا ضامنًا لترتيب أمني شامل.
ويلعب العامل الإقليمي دورًا حاسمًا في رسم هذا المشهد. فإسرائيل تفرض في الجنوب السوري سقفًا أمنيًا واضحًا يقوم على منع إعادة عسكرة المنطقة وحماية الطائفة الدرزية، مع احتفاظها بحرية العمل العسكري.
وفي المقابل، تمارس تركيا ضغطًا مستمرًا في الشمال والشرق بهدف تفكيك البنية العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية ومنع تحولها إلى كيان أمني دائم.
وبين هذين القيدين، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق، مستندة إلى وجودها المحدود في قاعدة التنف، التي تحولت إلى عقدة سيطرة إقليمية أكثر منها مجرد موقع عسكري، لما توفره من قدرة على المراقبة ومنع تشكل ممرات لوجستية معادية.
ويبقى ملف تنظيم الدولة الإسلامية أحد أبرز التحديات في هذا السياق. فعلى الرغم من هزيمته الإقليمية، لا يزال التنظيم يحتفظ بخلايا نشطة قادرة على تنفيذ هجمات محدودة، مستفيدًا من هشاشة البيئة الأمنية.
ومازال آلاف المقاتلين محتجزين في مراكز تديرها قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب عشرات الآلاف من النساء والأطفال في مخيمات تعاني من أوضاع إنسانية متدهورة.
وأي خلل في إدارة هذه المنظومة، سواء بسبب ضعف الحراسة أو اضطرابات محلية، قد يفتح الباب أمام عودة التنظيم بصيغة جديدة وأكثر لامركزية.
وفي الداخل الأميركي، يتقاطع هذا الواقع مع مزاج سياسي وشعبي متزايد التشكيك في جدوى الانخراط العسكري الخارجي.
وعززت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025 هذا التوجه، حيث ينظر كثيرون في واشنطن إلى سوريا بوصفها نموذجًا لـ«الحروب التي لا تنتهي».
وفي المقابل، يحذر تيار آخر من أن الانسحاب الكامل قد يفضي إلى عودة التهديدات الجهادية أو يتيح لقوى إقليمية منافسة ملء الفراغ.
وتعاملت إدارة ترامب مع هذا الانقسام بعقلية براغماتية، فخففت وجودها العسكري، لكنها أبقت على أوراق ضغط، وفتحت قنوات تواصل مع السلطة الجديدة في دمشق، بما في ذلك تعليق بعض العقوبات وإعادة العلاقات الدبلوماسية في خطوة عكست استعدادًا للتعامل مع الواقع الجديد.
غير أن هذا الانفتاح لم يلغِ المخاطر الداخلية المتفاقمة في سوريا. فضعف مؤسسات الدولة، وغياب آليات المحاسبة، واعتماد السلطات أحيانًا على تعبئة قوى محلية على أسس طائفية أو عشائرية، كلها عوامل تهدد بتفجير توترات جديدة.
وكشفت أحداث الساحل السوري، والاشتباكات في السويداء، والتوترات العربية–الكردية في الشرق، هشاشة النسيج الاجتماعي وإمكانية انزلاق البلاد مجددًا إلى صراعات هووية، وهي البيئة التي لطالما استغلها تنظيم الدولة الإسلامية في السابق.
وفي الشرق تحديدًا، يشكل التداخل بين العشائر العربية والقوى الكردية تحديًا إضافيًا. فشعور قطاعات من العرب بالتهميش، مقابل مخاوف الأكراد من فقدان مكاسبهم مع تراجع الدعم الأميركي، يخلق أرضية خصبة للاحتكاكات.
قد تتحول هذه التوترات، إذا لم تُدار بحياد أمني حقيقي، إلى مواجهات مفتوحة تضعف الترتيبات القائمة حول حماية الطرق والمنشآت الحساسة، وتعيد إنتاج فراغات أمنية خطرة.
وقد تتحول هذه التوترات، إذا لم تُدار بحياد أمني حقيقي، إلى مواجهات مفتوحة تضعف الترتيبات القائمة حول حماية الطرق والمنشآت الحساسة، وتعيد إنتاج فراغات أمنية خطرة.
وفي ظل هذا المشهد، يعتمد النموذج الأمني الناشئ في شرق سوريا على ثلاثة مرتكزات أساسية: استمرار احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ضمن ترتيبات مستقرة، ضمان حرية الحركة على الطرق الرئيسية، وحماية المواقع الحساسة من منشآت طاقة وقواعد عسكرية ومراكز احتجاز.
وأي إخلال بأحد هذه العناصر قد يقوّض التوازن الهش القائم. غير أن الحفاظ على هذا التوازن يتطلب أيضًا تنسيقًا أوسع بين تركيا وإسرائيل، أو على الأقل إدارة تنافسهما بما يمنع تحويل سوريا إلى ساحة صراع مفتوح بالوكالة.
وفي المحصلة، لا يبدو أن سوريا تتجه نحو نظام أمني موحد في المدى المنظور، بل نحو إدارة مؤقتة للمخاطر تقوم على تفاهمات جزئية ومناطق نفوذ متداخلة.
ويتلخص الدور الأميركي، في هذا السياق، في تقليل الخسائر ومنع الأسوأ، لا في إعادة بناء الدولة أو فرض تسوية شاملة.
وسيظل نجاح هذه المقاربة رهينًا بقدرة الفاعلين المحليين على ضبط سلوكهم، وباستعداد القوى الإقليمية لقبول حدود نفوذها.
وأما الفشل، فسيعني إعادة فتح الأبواب أمام دوامات عنف جديدة، قد يكون تنظيم الدولة الإسلامية أحد أبرز المستفيدين منها في شرق سوريا.