من أوكرانيا إلى الذكاء الاصطناعي… تحديات كبرى تواجه الاتحاد الأوروبي في 2026

تباطؤ النمو الاقتصادي يضغط على تماسك منطقة اليورو
الاثنين 2025/12/29
تحديات جيوسياسية واقتصادية

بروكسل- مع اقتراب نهاية العام، ينظر الاتحاد الأوروبي، المكوَّن من 27 دولة، إلى اثني عشر شهرًا مضطربًا من التطورات الجيوسياسية وصنع السياسات، بدءًا من حرب أوكرانيا وحتى توتر العلاقات عبر ضفتي الأطلسي، حيث برزت عدة تحديات كبرى هيمنت على النقاشات ومن المتوقع أن تستمر في التأثير.

وتبدو الرهانات مرتفعة مع قدوم عام 2026، فالحرب في أوكرانيا لا تزال مستمرة، والاتحاد الأوروبي يمر بمرحلة غير مسبوقة في علاقاته مع الولايات المتحدة، كما يواجه صعوبات في تعزيز النمو الاقتصادي، فيما تضيف وتيرة التغير التكنولوجي السريع المزيد من الضغوط.

وفي الوقت نفسه، أدى احتمال اتساع نطاق المواجهة مع روسيا إلى تصاعد الدعوات لإعادة تسليح أوروبا، ما دفع إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتحويل الأولويات بعيدًا عن التحول الأخضر.

 كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى مواصلة جهوده لتبسيط اللوائح التنظيمية ودعم التنافسية، غير أن منتقدين يخشون أن تتراجع المبادرات الأوروبية الرائدة، خاصة في مجالي المناخ والتنظيم الرقمي، إلى الخلفية تحت ضغط من الدول الأعضاء ومن الضفة الأخرى للأطلسي.

وفي ما يخص أوكرانيا، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في منتصف ديسمبر الجاري إن روسيا تستعد لخوض "عام حرب جديد" ضد بلاده في 2026، بعدما أكد نظيره الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو ستحقق أهدافها "بالتأكيد".

ووافق زعماء الاتحاد الأوروبي مؤخرًا على تقديم 90 مليار يورو، أي ما يعادل 106 مليارات دولار، لأوكرانيا على مدار 2026 و2027 لتمويل مقاومتها للغزو الروسي.

وأوضح رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أنه من دون التمويل الجديد، كانت أوكرانيا ستواجه عجزًا يتراوح بين 45 مليار دولار و50 مليار يورو العام المقبل، ما كان سيجبرها على تقليص إنتاجها العسكري.

ولطالما جرى تهميش الاتحاد الأوروبي في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، إذ يقود الرئيس الأميركي دونالد ترامب جهودًا لجمع كييف وموسكو إلى طاولة المفاوضات.

وقد فاجأت واشنطن أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين الشهر الماضي بطرح خطة من 28 نقطة لإنهاء الحرب، اعتُبرت استجابة لمطالب أساسية للكرملين، قبل تعديلها لاحقًا بعد إشراك أوكرانيا وأوروبا.

وبات احتمال إجراء محادثات مباشرة بين أوروبا وروسيا يلوح في الأفق، في حين رحبت الرئاسة الفرنسية بإعلان بوتين استعدادًا للحوار مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد أن دعا ماكرون أوروبا إلى إعادة التواصل مع روسيا لإنهاء الحرب بدلاً من ترك زمام المبادرة لأمريكا بمفردها.

غير أن الكرملين نفى مؤخرًا وجود خطط لإجراء محادثات ثلاثية بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، في وقت كان فيه دبلوماسيون من روسيا وأوكرانيا والاتحاد الأوروبي يجرون محادثات منفصلة مع واشنطن في ميامي.

ويتوقع الاتحاد الأوروبي، وخاصة دول الجناح الشرقي مثل بولندا، اختبارات إضافية لقدرات التكتل على الصمود في مواجهة الضغوط الهجينة، بما في ذلك التضليل الإعلامي والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب المحتملة.

وتحمّل أجهزة الأمن في الغرب روسيا مسؤولية سلسلة من عمليات تحليق الطائرات المسيرة وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإلكتروني في أوروبا، والتي تصاعدت منذ انطلاق الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022.

وحذر رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية في أوائل ديسمبر من أن روسيا قد تصعد عمليات التخريب والهجمات السيبرانية وحملات التضليل العام المقبل، بالتزامن مع إجراء ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وداعم قوي لأوكرانيا، انتخابات إقليمية.

وشهدت علاقات الاتحاد الأوروبي التجارية مع شركائه الرئيسيين تحولات في 2025، إذ تظل العلاقات مع الولايات المتحدة والصين، وكذلك آفاق إبرام اتفاق تجارة مع دول أميركا الجنوبية، من أبرز مواضع الخلاف.

ومن المتوقع أن يتجاوز حجم التجارة العالمية في 2025 حاجز 35 تريليون دولار، بحسب الأمم المتحدة، بزيادة نحو 2.2 تريليون دولار، أي نحو 7 في المئة مقارنة بعام 2024، وفق آخر تحديث في 2025.

ومع ذلك، تبدو آفاق عام 2026 أكثر قتامة، بحسب الأمم المتحدة، كما أشارت المفوضية الأوروبية في نوفمبر إلى أن اقتصاد منطقة اليورو سينمو بأقل من المتوقع العام المقبل، في ظل المخاطر الناجمة عن التجارة الدولية والتوترات الجيوسياسية.

ومنذ عودة ترامب للبيت الأبيض في يناير، فرض موجات من الرسوم الجمركية الجديدة على الواردات الأميركية.

وفي مسعى لتجنب اندلاع حرب تجارية شاملة، توصلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وترامب في يوليو إلى اتفاق بفرض رسوم جمركية بنسبة 15في المئة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك السيارات وأشباه الموصلات والأدوية والأخشاب.

وتتوقع المفوضية نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 1.2 في المئة في 2026، مقارنة بتوقعات سابقة أشارت إلى 1.4في المئة، فيما يتوقع الاتحاد الأوروبي ككل نموًا بمعدل 1.4في المئة في 2026، بانخفاض طفيف عن توقعات سابقة بمعدل 1.5في المئة في مايو.

ومن المقرر أن تنضم بلغاريا إلى منطقة اليورو اعتبارًا من يناير، في خطوة تمثل محطة رئيسية في مسار اندماجها في الاتحاد الأوروبي، رغم المعارضة الداخلية. وفي منتصف ديسمبر، استقالت حكومة بلغاريا برئاسة روسن جيليازكوف وسط غضب شعبي إزاء سياساتها الاقتصادية وما اعتُبر فشلًا في مكافحة الفساد المستشري، ما أدخل البلاد في فترة من عدم الاستقرار السياسي قبل أيام من اعتماد العملة الجديدة.

الرهانات تبدو مرتفعة مع قدوم عام 2026، فالحرب في أوكرانيا لا تزال مستمرة، والاتحاد الأوروبي يمر بمرحلة غير مسبوقة في علاقاته مع الولايات المتحدة، كما يواجه صعوبات في تعزيز النمو الاقتصادي، فيما تضيف وتيرة التغير التكنولوجي السريع المزيد من الضغوط.

وتصاعدت التوترات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي على مدى عدة سنوات، إذ أطلقت بروكسل في 2023 تحقيقًا بشأن السيارات الكهربائية الصينية، واتهمت بكين بدعم هذه الصناعة عبر إعانات حكومية مفرطة، وردت الصين بإجراءات مماثلة وفرضت رسوماً على واردات من الاتحاد الأوروبي، تشمل المشروبات الروحية ولحوم الخنازير ومنتجات الألبان. وتصاعد الخلاف التجاري مؤخرًا عندما فرضت الصين رسوماً جمركية تتراوح بين 21.9 و42.7في المئة على بعض منتجات الألبان الأوروبية، واتهمت الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم كبير لصناعة الألبان، مشيرة إلى أن الواردات الأوروبية ألحقت ضررًا بالمنتجين الصينيين.

ويسعى الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى التصدي لتدفق هائل من الطرود الصغيرة من الصين عبر منصات مثل "شي إن" و"تيمو".

وفي العام الماضي، دخل 4.6 مليار طرد تجزئة صغير إلى الاتحاد الأوروبي، أي أكثر من 145 طردًا في الثانية، جاء 91في المئة منها من الصين، ويتوقع استمرار الأعداد في الارتفاع.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتفق وزراء مالية الاتحاد الأوروبي على فرض رسم بقيمة 3 يورو على الواردات منخفضة القيمة، ومن المقرر تطبيقه مؤقتًا اعتبارًا من الأول من يوليو، إلى أن يتوصل التكتل إلى حل دائم.

كما اقترحت المفوضية الأوروبية في مايو فرض رسم مناولة بقيمة 2 يورو على الطرود الصغيرة، ولم تتفق الدول الأعضاء بعد على القيمة النهائية، لكنها تأمل أن يدخل حيز التطبيق أواخر 2026.

وأعلن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا إرجاء توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع تجمع ميركوسور (البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي) إلى يناير، وسط احتجاجات المزارعين في بروكسل، وأسهمت المعارضة الفرنسية وتحفظات إيطاليا ودول أخرى في تعطيل الاتفاقية.

وفي ضوء سعي الاتحاد الأوروبي لتقليص البيروقراطية من أجل التنافسية، يبرز سؤال حول ما إذا كانت جهود تخفيف القيود التنظيمية ستساعد التكتل على مواكبة القوى التكنولوجية الكبرى، خاصة في مجالات صاعدة مثل الذكاء الاصطناعي.

وبعد ثلاث سنوات من النمو السريع وارتفاع التقييمات، يدخل قطاع الذكاء الاصطناعي عام 2026 مع تراجع بعض الحماس أمام تساؤلات صعبة، إذ من المتوقع أن يتجاوز الإنفاق العالمي على هذا المجال 2 تريليون دولار، وفق شركة الاستشارات "جارتنر".

وسارع الاتحاد الأوروبي إلى إقرار قانون شامل للذكاء الاصطناعي دخل حيز التنفيذ العام الماضي، لكن عشرات من كبرى الشركات الأوروبية، من بينها "إيرباص" و"مرسيدس-بنز"، طالبت بتعليق بعض بنوده معتبرة أنها قد تعرقل الابتكار.

وفي الوقت نفسه، تستمر المواجهة بين الاتحاد الأوروبي وعمالقة التكنولوجيا، في ظل إعادة بروكسل النظر في أطرها التنظيمية الرقمية الرائدة، وواجهت القواعد الأوروبية ضغوطًا قوية من إدارة ترامب ومن الشركات وحكومات أخرى، لكنها تعهدت بتسهيل عمل الشركات داخل الاتحاد وقدمت مقترحات لتعديل قواعد حماية البيانات وتأجيل تطبيق بعض أجزاء قانون الذكاء الاصطناعي.