معضلة عقل الكهف في العصر الحديث
ربما أدق توصيف لمعضلة العصر الحديث هو ما طرحه الفيلسوف إدوارد أوزبورن ويلسون حين قال “المشكلة الحقيقية للبشرية أننا نمتلك مشاعر من العصر الحجري، ومؤسسات من العصور الوسطى، وتقنيات تضاهي قدرات الآلهة.”
هذا المفهوم يشرح الفجوة الخطيرة في تطورنا كبشر، والمعضلة الإنسانية التي تتجلى في حاضر عالمنا اليوم: نمتلك أسلحة نووية، وذكاءً اصطناعيًا، وأجهزة إلكترونية، ومصانع سريعة الإنتاج، وبرمجيات عبقرية، وطائرات نفاثة… بينما الإنسان ما زال يتصرف بعقلية رجل الكهف.
في قراراته السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، وفي عواطفه وردود فعله وأفكاره وأيديولوجياته، يبدو الإنسان وكأنه قادم من العصر الحجري. جهازه العاطفي والعصبي لم يتطور كثيرًا في ردود فعله منذ ذلك الزمن؛ عقل بشري صُمم لمواجهة تهديدات صغيرة مثل هجوم الأسود أو مواجهة قبائل محدودة العدد، والخوف من نقص الموارد. لذلك يستجيب بسهولة لسردية “نحن” مقابل “هم”، ويميل إلى الخطابات التي تركز على الخوف والخسارة والحاجة العميقة للانتماء والسيطرة والانتصار.
الضرورة أن ندرك أننا لا نحتاج إلى أجهزة أسرع أو ذكاء اصطناعي أقوى بقدر حاجتنا إلى ترقية نظامنا الأخلاقي والقيمي
كانت هذه العواطف مفيدة حين كان الإنسان يصارع السباع والجوع، لكنها اليوم تُستغل لتغذية صراعات معقدة تمتد من الحروب الإقليمية والدولية إلى التوترات السياسية والاقتصادية، بما يهدد شعوبًا كاملة ويثقل مستقبل الأجيال ويعمّق الكراهية بين الأطياف، خصوصًا في عصر تُنقل فيه هذه الانقسامات خلال ثوانٍ عبر الإنترنت. وهكذا تصبح القومية المتطرفة والتعصب الديني والأيديولوجيا نسخًا حديثة من صراع القبائل القديمة على موارد البقاء.
في المقابل، تبدو المؤسسات الحديثة بطيئة وبيروقراطية، لا تواكب سرعة التحولات التقنية والاجتماعية، رغم أن الإنسان يعيش زمنًا سريع الإيقاع تتحرك فيه المعرفة والتكنولوجيا والقرارات بوتيرة غير مسبوقة. وبين هذا الجمود المؤسسي، نملك أدوات تقنية ذات قدرة تأثير هائلة، قادرة على إعادة تشكيل العالم خلال لحظات، سواء عبر الاقتصاد أو الإعلام أو الذكاء الاصطناعي أو تقنيات الدمار الشامل.
وهنا تتجلى المأساة الكبرى: بضغطة زر يمكن إسقاط اقتصاد دولة، أو نشر فيروس بيولوجي مُصمَّم، أو إطلاق حملات دعائية تؤجج الكراهية وتوسع رقعة الصراعات، أو تدمير بنى تحتية للطاقة، وصولًا إلى أسلحة نووية قد تُنهي توازن الحياة على الكوكب إذا استُخدمت في لحظة جنون. الأخطر أن هذه الأدوات تُدار أحيانًا بعقليات لم تغادر منطق القوة والسيطرة والتوسع، عقليات تستلهم نماذج قديمة مثل الإمبراطورية أو الخلافة أو القومية المطلقة.
في هذا السياق، لم تعد الأدوات تفرّق بين ساحات السلم والحرب، وأصبحت تُستخدم في فضاء واحد متداخل، تُستهدف فيه المجتمعات مباشرة أو غير مباشرة، بينما يُعاد تعريف المدنيين كـ”أضرار جانبية” مقبولة. وهكذا أصبحت الحروب الهجينة نمطًا معاصرًا لصراع دائم، تتداخل فيه السياسة بالإعلام بالتكنولوجيا، في منظومة تُنتج دمارًا بطيئًا وشاملاً.
هذه الأدوات، رغم تطورها الهائل، تبدو أحيانًا أكبر من البنية الفكرية التي تديرها. فما زال جزء من الوعي الإنساني يتحرك بمنطق قديم يعيد إنتاج مفاهيم السيطرة والهيمنة وتفوق الجماعة، بلغة تستند إلى الأسطورة أو الأيديولوجيا أو الخرافة. وعندما تقع هذه الأدوات في يد دول أو كيانات تفكر بمنطق الإمبراطوريات القديمة، تتكرر أنماط السلوك نفسها: السعي إلى التوسع، التحكم بالموارد، وإعادة رسم خرائط النفوذ برؤية تستحضر عقل القبيلة أكثر مما تستحضر منطق العصر الحديث.
نشهد اليوم حروبًا عنيفة، آخرها الحرب بين إيران والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، حيث يحاول كل طرف الصمود وإثبات سرديته وانتصاره، وفرض سيطرته على المراكز الحيوية، دون اكتراث بالحضارة أو الإنسانية أو الأخلاق أو مستقبل الإنسان. حروب يبدو أن الاستمرار بها يصب في مصلحة الأطراف لإطالة عمرها وبقائها، لكن الثمن يدفعه الإنسان.
نمتلك أسلحة نووية وذكاءً اصطناعيًا وأجهزة إلكترونية ومصانع سريعة الإنتاج، وبرمجيات عبقرية وطائرات نفاثة… بينما الإنسان ما زال يتصرف بعقلية رجل الكهف
وهذا ما يعيدنا إلى سؤال التطور: عن أي تطور نتحدث ونحن نجد في الشرق الأوسط صراعات تُدار بأحدث تقنيات المراقبة والذكاء الاصطناعي، لكنها تتغذى على سرديات أسطورية ومظلوميات تاريخية؟ هكذا يُستدعى رجل الكهف الكامن في اللاوعي لتبرير خلق الجحيم وإبادة الآخر.
الخلاصة أن كل نتيجة جحيمية هي نقيض الحكمة والتطور. ما يحدث اليوم يشبه مشهدًا سرياليًا مأساويًا: كأننا منحنا الإنسان البدائي زر التدمير الشامل وتركناه يحكم العالم بأوهام التفوق والسيطرة. الإنسان اليوم يحمل سيفًا نوويًا بيد، وهراوة حجرية بعقله، ولهذا فالناتج كارثي على الكوكب.
المستقبل؟ إما أن تجبرنا هذه الأدوات النووية على التوحد اتقاءً للفناء، فنخلق نظامًا عالميًا جديدًا يحترم إنسانيتنا، أو أننا سنعود فعليًا إلى العصر الحجري. لذا، هل يمكن إيجاد توافق بين طبقاتنا الثلاث: العواطف والمؤسسات والأدوات؟ توليفة تجعلنا نعيش في عصر الازدهار ونبني جنان الأرض بدلًا من تعزيز الظلمات؟
ربما البداية تكون بتطوير الوعي البشري، بالانتقال من “نحن وهم” إلى “نحن البشر”، عبر التعليم والقضاء على الجهل، والاهتمام بنوعية التعليم، وتدريس الذكاء العاطفي والسلام كضرورة بقاء لا كرفاهية. أما غرور “الأنا” وسرديات الخوف والقوميات والأيديولوجيات وفكرة التفوق العرقي والطائفي والديني، فهي وصفة للبقاء في فلك الجحيم.
من المهم استبدال البيروقراطية بأنظمة تعتمد على الشفافية الرقمية، وتطوير المؤسسات بما يخدم المجتمعات ورفاهية الإنسان. والأهم أنسنة الآلة وتوجيه التكنولوجيا لحل الأزمات الوجودية: البطالة، الفقر، الأمراض، التصحر، أزمة المناخ، شح المياه والكهرباء، وانعدام البنية التحتية للصرف الصحي في كثير من الدول. بدلاً من توجيهها للرقابة والحروب الهجينة والرأسمالية العسكرية التي تربح من الصراعات أكثر من السلام.
يبقى السؤال: هل لدينا الوقت والإرادة لتطوير مؤسسات وأخلاقيات تتناسب مع أدواتنا الخارقة قبل أن يستخدمها مجنون ضدنا جميعًا؟ وهل هناك مجال للعودة من نقطة اللاعودة؟ العودة تتطلب انقلابًا إنسانيًا معرفيًا شاملًا، وإدراك أننا نملك القوة لتحويل الأرض إلى جنة، لكن علينا التخلي عن العقلية التي قد تحولها إلى رماد.
الضرورة أن ندرك أننا لا نحتاج إلى أجهزة أسرع أو ذكاء اصطناعي أقوى بقدر حاجتنا إلى ترقية نظامنا الأخلاقي والقيمي. التحدي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين يكمن في إقناع رجل الكهف الكامن فينا بأن الهراوة لم تعد تحميه، بل تهدد بانهيار سقف الكهف فوق رؤوس الجميع.