معاهدة عدم اعتداء مع إيران.. الخليج يبحث عن سلام مستحيل

الرهان على قبول إيران بالمعاهدة مستحيلا، والمرونة التكتيكية مناورة لربح الوقت وتخفيف الضغوط، لا تحول استراتيجي حقيقي.
السبت 2026/05/16
مشروع عقائدي عابر للحدود

يبدو الحديث عن معاهدة عدم اعتداء بين إيران ودول الخليج أقرب إلى محاولة للهروب من شبح الحرب أكثر منه مشروعا قابلا للحياة. فالفكرة التي تبدو جذابة على الورق، باعتبارها قادرة “بجرة قلم” على إنهاء عقود من التوتر، تصطدم بواقع أكثر تعقيدا يتعلق بطبيعة النظام الإيراني نفسه، وبالبنية الأيديولوجية والأمنية التي قام عليها منذ عام 1979.

فالمشكلة لا تكمن فقط في انعدام الثقة التاريخي بين طهران وجوارها الخليجي، بل في أن النظام الإيراني لا ينظر إلى نفسه بوصفه دولة قومية طبيعية تبحث عن الاستقرار بقدر ما يرى ذاته مشروعا عقائديا عابرا للحدود، يقوم على فكرة “تصدير الثورة” وإعادة تشكيل المجال الإقليمي وفق تصوراته الدينية والسياسية.

ومن هنا تبدو أي معاهدة عدم اعتداء وكأنها تتطلب من إيران التخلي عن الأسباب التي تمنح نظامها شرعيته الداخلية وأدوات نفوذه الخارجية في آن واحد.

النظام الإيراني بنى سرديته السياسية طوال نحو نصف قرن على فكرة “المواجهة الدائمة” مع الخارج، سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو ما يسميه “الأنظمة التابعة للغرب” في المنطقة. وهذه السردية ليست مجرد خطاب دعائي، بل تحولت إلى ركيزة وجودية تسمح للنظام بتبرير عسكرة الدولة، وإحكام القبضة الأمنية، وتوجيه الموارد نحو المشاريع الإقليمية على حساب الداخل الإيراني.

والأخطر أن التراجع عن هذه العقيدة لا يعني فقط فقدان ورقة سياسية، بل قد يفتح الباب أمام مساءلة داخلية قاسية حول حصيلة 47 عاما من العقوبات والعزلة الاقتصادية وتبديد الثروات في حروب الوكالة.

المبادرة التي كشفت عنها فاينانشال تايمز قد لا تكون تعبيرا عن ثقة بإمكانية تغيير إيران بل عن إدراك بأن المنطقة دخلت مرحلة يبحث فيها عن أي صيغة تمنع الانفجار الكبير

سيعني القبول الحقيقي بمعاهدة عدم اعتداء ضمنيا الاعتراف بأن مرحلة “الثورة الدائمة” انتهت، وأن إيران مستعدة للتحول إلى دولة طبيعية تهتم بالتنمية والاقتصاد بدلا من الميليشيات والتوسع. وهذا تحديدا ما لا يستطيع النظام تحمله، لأن مثل هذا التحول سيقوي خصومه في الداخل، من الإصلاحيين إلى المعارضة الشعبية، بل حتى داخل البيئة المتشددة التي قد تعتبر أي تراجع عن مشروع “المقاومة” خيانة للمبادئ المؤسسة للجمهورية الإسلامية.

كما أن أي اتفاق من هذا النوع يهدد مباشرة الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران طوال عقود، من العراق إلى لبنان واليمن. فالميليشيات والأذرع المسلحة ليست مجرد أدوات نفوذ خارجية، بل جزء من بنية الأمن القومي الإيراني ومن فلسفة الردع التي يعتمدها النظام. لذلك فإن إنهاء منطق “الاعتداء غير المباشر” يعني عمليا إنهاء الوظيفة الاستراتيجية لهذه التنظيمات، وهو ما يصعب تصور قبول الحرس الثوري به.

لهذا تبدو فكرة الرهان على قبول إيران بمعاهدة عدم اعتداء أقرب إلى الرهان المستحيل. وحتى إذا أبدت طهران مرونة تكتيكية أو لوحت بالقبول، فالأرجح أن يكون ذلك من باب المناورة وربح الوقت وتخفيف الضغوط، لا من باب التحول الاستراتيجي الحقيقي.

المبادرة تبدو مهزوزة منذ بدايتها، لأنها تفترض إمكانية فصل سلوك إيران الخارجي عن طبيعة نظامها الداخلية، بينما الواقع يشير إلى أن الاثنين مترابطان عضويا.

وربما لا يكون الهدف الحقيقي من المبادرة إقناع إيران فعلا بسلام دائم، بقدر ما هو محاولة لإقامة الحجة السياسية عليها، أو اختبار فرص تجنب الحرب بأي ثمن. لكن حتى هذا الهدف تبدو جدواه محدودة، لأن أحدا في المنطقة لا يجهل أن المشروع الإيراني قام أساسا على التوسع وبناء شبكات النفوذ المسلحة وزرع الميليشيات العابرة للحدود.

ولذلك فإن اتهام طهران برفض السلام لن يشكل إحراجا حقيقيا لها إذا كان ثمن القبول هو تقويض مشروعها الاستراتيجي.

الأرجح أن الفكرة تعكس قناعة إقليمية متزايدة بأن كلفة الحرب المفتوحة مع إيران ستكون مدمرة للجميع، وأنه لا بد من البحث عن صيغة لاحتواء التوتر، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات غير معلنة.

ومن بين السيناريوهات التي قد تدخل ضمن هذا المسار، القبول الاضطراري بمنح إيران دورا أمنيا أو رقابيا في مضيق هرمز، أو القبول بترتيبات خاصة تتعلق بالملاحة والتفتيش والرسوم، مقابل ضمانات بعدم تهديد أمن الخليج أو استهداف البنية النفطية.

المشكلة لا تكمن فقط في انعدام الثقة التاريخي بين طهران وجوارها بل في أن النظام الإيراني لا ينظر إلى نفسه بوصفه دولة قومية طبيعية تبحث عن الاستقرار

لكن لا أحد يستطيع ضمان التزام إيران بهذه التعهدات، خصوصا إذا خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر والرغبة في الانتقام. فمثل هذا الوضع قد يدفع الحرس الثوري إلى إحكام قبضته أكثر على القرار الإيراني، مستفيدا من تراجع مراكز التوازن داخل النظام، بما يجعل أي اتفاق عرضة للانهيار عند أول اختبار أمني أو سياسي.

كما قد يمتد منطق “شراء الاستقرار” إلى ملفات أخرى، مثل التعامل مع الحوثيين في اليمن باعتبارهم أمرا واقعا، وفتح قنوات حوار أوسع معهم، وربما التساهل مع استمرار نفوذهم في مناطق استراتيجية مطلة على البحر الأحمر.

لكن حتى لو تم التوصل إلى اتفاق مكتوب، فإن السؤال الأكثر خطورة يتعلق بمدى صموده فعليا. فهل ستقبل الولايات المتحدة بمنح إيران مثل هذا الدور الإقليمي؟ وهل تستطيع دول الخليج الوثوق بالتزام إيراني حرفي بعدم الاعتداء؟

الأهم من ذلك أن تجربة المنطقة مع طهران تشير إلى أن المشكلة لا تكمن دائما في الاعتداء المباشر، بل في الحروب الرمادية: الخلايا النائمة، والميليشيات، والطائرات المسيّرة، والهجمات غير المعلنة، وتحريك الأذرع المسلحة في العراق واليمن ولبنان.

وهنا تكمن الثغرة الجوهرية في أي معاهدة محتملة: كيف يمكن تعريف “الاعتداء” أصلا في بيئة تعتمد فيها إيران على الحرب بالوكالة؟ وهل يعتبر استهداف منشآت خليجية عبر جماعة حليفة خرقا مباشرا للاتفاق أم مجرد “تصرف طائش” من طرف غير حكومي؟

هذه الأسئلة تجعل الحديث عن معاهدة عدم اعتداء أقرب إلى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار عند أول أزمة، لا إلى تسوية تاريخية مستقرة. فدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تبحث أساسا عن بيئة أقل توترا تسمح لها بحماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى وتخفيف كلفة الاستنزاف الأمني والعسكري في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.

يعرف الخليجيون أن احتواء إيران أمر صعب، فشلت فيه الولايات المتحدة من قبل، والسبب أن النظام الراديكالي الإيراني لا ينظر إلى السلام والاستقرار من نفس منظار دول الإقليم، فهو يرى فيه حالة ضعف يجب تجاوزها بسرعة، وإن قبل بمهلة سلام فلا يجب أن تتجاوز بضع سنوات قبل أن يعود إلى مهمته الأصلية في التمدد و”تصدير الثورة”.

ورغم الدعم الأوروبي لفكرة عقد معاهدة عدم اعتداء مع إيران، على أساس أنها قد تشكل نسخة شرق أوسطية من “عملية هلسنكي” التي خففت التوترات خلال الحرب الباردة، فإن الفارق كبير بين بيئة قامت فيها التفاهمات على توازنات واضحة بين دول قومية، وبين منطقة تتحرك فيها الفواعل غير الحكومية والعقائد العابرة للحدود كجزء من الاستراتيجية الرسمية لبعض الدول.

في النهاية، قد لا تكون المبادرة الخليجية التي كشفت عن فحواها فاينانشال تايمز تعبيرا عن ثقة بإمكانية تغيير إيران، بل عن إدراك عميق بأن المنطقة دخلت مرحلة تبحث فيها الدول عن أي صيغة تمنع الانفجار الكبير، حتى لو كانت صيغة هشة ومليئة بالثقوب.