مضيق هرمز وصدمة الطاقة العالمية: قراءة في خريطة البدائل والرهانات الكبرى

مضيق هرمز يحمل في طياته "فرصة تاريخية" للدول العربية للخروج من وضعية "المطرقة والسندان" وتحويل الأزمة إلى حافز لتدشين "سوق عربية مشتركة للطاقة المتجددة".
الجمعة 2026/05/08
ناقوس خطر يعيد ترتيب أولويات الأجندة الدولية

لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد اضطراب عابر في ممرات الملاحة الدولية، بل غدت “لحظة كاشفة” تضع النظام الاقتصادي العالمي أمام مرآة عيوبه البنيوية. فمع اشتعال فتيل التوترات وقفز أسعار خام برنت فوق حاجز الـ110 دولارات للبرميل عقب أحداث شباط/فبراير 2026، لم تتوقف ارتدادات الصدمة عند حدود الأسواق، بل تجاوزتها لتعيد رسم تضاريس القوى بين أقطاب التكنولوجيا الخضراء وحراس الطاقة التقليدية. إننا نقف اليوم أمام مفارقة جيوسياسية كبرى: هل تُضحي أزمات المضائق وقوداً يعجل بحرق المراحل نحو التحول الطاقي، أم أنها ستعيد “الاعتبار” للوقود الأحفوري تحت مظلة الأمن القومي المثقلة بالهواجس؟

في قلب هذا الإعصار، تبرز الصين كلاعب لم يترك شيئاً للمصادفة؛ إذ لم يكن رهانه على “الطاقات الجديدة” ترفاً بيئياً، بل كان استشرافاً استراتيجياً للحظة انكسار الإمدادات. ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، أحكمت بكين قبضتها على 80 في المئة من القدرة التصنيعية للألواح الشمسية و75 في المئة من إنتاج بطاريات الليثيوم، وكأنها كانت تبني سداً منيعاً قبل هبوب الرياح. ولم تكن القفزة القياسية في طلب منتجاتها، والتي تجلت في تصدير 371 ألف سيارة كهربائية في شهر واحد بزيادة 130 في المئة على أساس سنوي، إلا برهاناً على نجاعة استراتيجية “طوق النجاة” التقني التي تقدمها بكين لدولٍ تخشى أن يظل نموها الاقتصادي رهيناً لممرات بحرية ملتهبة.

هل تُضحي أزمات المضائق وقوداً يعجل بحرق المراحل نحو التحول الطاقي، أم أنها ستعيد "الاعتبار" للوقود الأحفوري تحت مظلة الأمن القومي المثقلة بالهواجس؟

وعلى الضفة الأخرى، يبرز الدور المحوري للدول العربية المصدرة للنفط، التي تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة الجيوسياسية والمناخية معاً. هذه الدول لم تعد تكتفي بدور “المورد” التقليدي، بل باتت تتبنى استراتيجية مزدوجة؛ فهي تعمل على تأمين تدفقات الطاقة عبر مسارات بديلة لتقليل الارتهان بالمضيق، بينما تستثمر فوائضها النفطية الناتجة عن ارتفاع الأسعار لتسريع تحولها الداخلي نحو “ما بعد النفط”. غير أن هذا المسار العربي يظل مغلوباً على أمره بين ضرورات الحفاظ على استقرار السوق العالمي وبين استثمار ضخم في مستقبل أخضر لا تزال مفاتيحه التقنية في يد القوى الكبرى. إن دولاً كالسعودية والإمارات وقطر تخوض اليوم غمار الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، في محاولة مريرة لحجز مقعد في “نادي الطاقة الجديد” لضمان بقائها كلاعب سيادي، وسط خيارات ضيقة تفرضها تحولات السوق وتقلبات السيادة التكنولوجية.

بيد أن الولايات المتحدة تختار مساراً مغايراً يتسم بالحمائية والحذر؛ إذ ترفض واشنطن الانصياع لـ “سطوة التبعية” التكنولوجية الصينية، وتفضل الانكفاء نحو “مربع السيادة الهيدروكربونية”. ومع صعود التيارات التي تعلي شأن “أمن الطاقة التقليدي”، اتجهت البوصلة الأميركية نحو تعظيم إنتاج النفط والغاز الصخري، معتبرة أن “الهرولة الخضراء” قد تكون فخاً ينصب في بكين لتقييد اليد الأميركية. هذا الانقسام الحاد بين “اندفاعة” صينية، و”حيرة” عربية، و”حمائية” أميركية، يترك العالم في حالة من التيه الاستراتيجي، حيث تتحول الرسوم الجمركية على التقنيات البيئية إلى “متاريس” في حرب باردة جديدة، بدلاً من أن تكون جسوراً لعبور البشرية نحو مستقبل مستدام.

هذه القطبية المتصارعة تضع الدول العربية غير المصدرة للنفط في مواجهة “عاصفة كاملة”؛ فمضيق هرمز بالنسبة لهذه الدول هو المحرك المباشر لآلام ميزانياتها، حيث تستنزف فاتورة الطاقة في بعضها نحو 10 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي. وهنا تنبت المفارقة المؤلمة: فهي في أمسّ الحاجة لفك الارتباط بالأسعار المتقلبة، لكنها تصطدم بـ “فخ السيولة”؛ إذ يلتهم لهيب الأسعار الموارد التي كانت مخصصة لغرس بذور المستقبل الأخضر. وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن فجوة التمويل المناخي في الدول الناشئة تتجاوز تريليون دولار سنوياً، وهي فجوة تزداد عمقاً مع كل توتر يشهده ممر مائي، مما يترك هذه الدول أمام خيارات منعدمة تقريباً بين الديون الطاقية والتبعية التقنية.

فجوة التمويل المناخي في الدول الناشئة تتجاوز تريليون دولار سنوياً وهي فجوة تزداد عمقاً مع كل توتر يشهده ممر مائي مما يترك هذه الدول أمام خيارات منعدمة تقريباً

ومع ذلك، فإن قراءة هذا المشهد بعين “الواقعية السياسية” تفرض عدم الانسياق وراء فرضية الحتمية الصينية دون تمحيص؛ إذ تواجه بكين مآزق بنيوية، من “تصدير التلوث” بمصانع الفحم إلى هواجس “الأمن السيبراني” لمركباتها الكهربائية التي تُعامل كـ “أحصنة طروادة” رقمية. علاوة على ذلك، فإن المراهنة على التفوق الصيني قد تصطدم بـ “انفجار ابتكاري” غربي مباغت في بطاريات الحالة الصلبة أو طاقة الاندماج، مما قد يجعل الهيمنة الحالية أثراً من الماضي. ورغم طوباوية الدعوة لتغيير السلوك البشري الجماعي، يبقى تفكيك بنية الاستهلاك الاستعراضي هو “العقدة في المنشار”؛ فبدون تغيير بوصلة “النجاح” الاجتماعي، سيظل أي تحول تقني مجرد مسكنات موضعية لأزمة وجودية أعمق.

بيد أن هذا المأزق الجيوسياسي الذي يفرضه إغلاق مضيق هرمز يحمل في طياته “فرصة تاريخية” للدول العربية للخروج من وضعية “المطرقة والسندان”. فبدلاً من الارتهان لخيار التقنية الصينية أو الرهان الكلي على السياسة الأميركية الحالية، يمكن لهذه الدول تحويل الأزمة إلى حافز لتدشين “سوق عربية مشتركة للطاقة المتجددة”. إن التكامل بين الدول ذات الفوائض المالية والقدرات الصناعية (دول الخليج) والدول ذات الإمكانات الجغرافية والبشرية الهائلة (المغرب، مصر، الأردن) يمكن أن يخلق قطباً طاقياً مستقلاً. وبالتالي، فإن استغلال الأزمة لبناء شبكات ربط كهربائي قاريّة، وتوطين صناعة الألواح والبطاريات محلياً بتمويل عربي مشترك، هو السبيل الوحيد لكسر طوق التبعية؛ وبذلك لا يعود المضيق خناقاً اقتصادياً، بل يصبح دافعاً لسيادة عربية طاقية تُحرر القرار السياسي من تقلبات الجغرافيا وضغوط القوى العظمى، وتفتح فصلاً جديداً من الاستقلال الاستراتيجي في قلب عالم مضطرب.

في الختام، يظل مضيق هرمز “ناقوس خطر” يعيد ترتيب أولويات الأجندة الدولية بصرامة؛ فهو يحفز مسار إزالة الكربون تحت ضغط الضرورة الأمنية، لكنه يكشف صراع الإرادات بين القوى العظمى. وبينما تقدم الصين نفسها كـ “مخلص تقني”، وتتمسك واشنطن بـ “عرشها الهيدروكربوني”، وتناور الدول العربية لتحويل الأزمة إلى فرصة كبرى للسيادة، يظل العالم في مخاض طويل للبحث عن توازن مفقود بين استدامة الكوكب، وأمن الطاقة، وسيادة الأمم؛ في رحلة لن تنكشف معالمها إلا بعد أن تنجلي غبرة العواصف في المضايق، وتسكن رياح الصراع في مراكز القرار الدولي.

7