مصر والسعودية تواجهان خطر إغلاق شرياني الملاحة
القاهرة - لم يكن إدراج مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر في موقف واحد خلال القمة المصرية السعودية مجرد تأكيد تقليدي على أهمية حرية الملاحة، وإنما يعكس اتساع دائرة المخاطر التي باتت تواجه الأمن البحري في المنطقة، وتداخل تداعياتها على مصالح القاهرة والرياض. فبينما تواجه السعودية تهديدات مباشرة أو غير مباشرة لأمنها وممرات صادراتها، تنظر مصر إلى أي اضطراب طويل في البحر الأحمر باعتباره خطرًا يمس أحد أهم شرايين التجارة العالمية ومصدرًا حيويًا لإيرادات قناة السويس.
وأكدت الرئاسة المصرية أن لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شهد توافقًا على أن الظروف الراهنة تقتضي مزيدًا من التضامن والتنسيق بين البلدين، خصوصًا في ما يتعلق بالتطورات الإقليمية وأمن الملاحة. وأوضح البيان أن الجانبين شددا على حرصهما على ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، فيما أكد السيسي رفض مصر أي اعتداءات تمس أمن السعودية أو تهدد حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
كما اتفق الجانبان على اتخاذ إجراءات عملية لتطوير التعاون وزيادة التبادل التجاري والاستثماري، في مؤشر على سعي القاهرة والرياض إلى تعزيز التنسيق في مواجهة تداعيات التوتر الإقليمي على الأمن والاقتصاد.
وجاء لقاء القمة في وقت تتزامن فيه الضغوط على هرمز مع المخاطر المتصاعدة في باب المندب، بما يجعل أمن الممرات البحرية قضية تتجاوز حدود أي أزمة منفردة.
وتكتسب الرسالة التي صدرت إثر اللقاء أهميتها من أن هرمز وباب المندب يمثلان طرفي منظومة بحرية واحدة بالنسبة إلى تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا. فتعطيل الملاحة في هرمز يضغط على حركة الطاقة الخارجة من الخليج، بينما يؤدي اضطراب باب المندب إلى دفع السفن نحو طرق أطول وأكثر كلفة، ويضع قناة السويس في قلب التداعيات الاقتصادية والأمنية لأي تصعيد في البحر الأحمر.
بالنسبة إلى الرياض، لا يتعلق الأمر فقط بحماية خطوط الملاحة الدولية، وإنما بحماية شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فالسعودية تعتمد على منافذ بحرية متعددة لتصدير النفط والسلع، وأي اتساع في نطاق التهديدات البحرية يفرض عليها التفكير في بدائل ومسارات أكثر أمانًا، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة النقل ويزيد الضغوط على البنية التحتية للطاقة والتجارة.
الموقف الحازم للبيان لا يعني أن القاهرة والرياض تتجهان إلى تشكيل تحالف عسكري، لكنه يكشف بوضوح عن تقاطع متزايد في المصالح
أما القاهرة، فتتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة ولكنها متقاطعة مع الرياض. فقناة السويس تمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، وأي عودة إلى اضطرابات واسعة في البحر الأحمر يمكن أن تعيد الضغط على حركة السفن والإيرادات، خصوصًا إذا رأت شركات الشحن أن المرور عبر المنطقة ينطوي على مخاطر مرتفعة أو تكاليف تأمين لا يمكن تحملها.
وهنا تبرز أهمية الجمع بين هرمز وباب المندب في بيان القمة. فالقاهرة لا تستطيع النظر إلى أمن البحر الأحمر بمعزل عن التطورات في الخليج، كما أن الرياض لا تستطيع فصل أمن ساحلها الغربي وممرات تصديرها عن التطورات التي تضرب منظومة الملاحة الإقليمية بأكملها. ومع امتداد المخاطر من الخليج إلى البحر الأحمر، تصبح أي معالجة جزئية قابلة لأن تفقد تأثيرها إذا بقي أحد طرفي الطريق البحري معرضًا للتهديد.
ويمنح هذا التقاطع القاهرة والرياض مصلحة مشتركة في الدفع باتجاه حماية الملاحة الدولية، لكنه يضعهما أيضًا أمام معادلة دقيقة. فالتصعيد العسكري قد يوفر ردعًا مؤقتًا في بعض الحالات، لكنه يحمل في المقابل مخاطر توسيع نطاق المواجهة، بينما لا يبدو الاكتفاء بالتحرك الدبلوماسي كافيًا إذا استمرت الهجمات أو محاولات فرض قيود على حركة السفن.
ولذلك اكتسب تأكيد السيسي رفض أي اعتداءات تمس السعودية أو تهدد حرية الملاحة أهمية خاصة. فالقاهرة لا تعلن فقط تضامنها مع الرياض، وإنما تربط أمن السعودية بأمن الممرات البحرية الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام مستوى أكبر من التنسيق السياسي والأمني بين البلدين، خصوصًا في ظل تأكيدهما أن الظروف الحالية تتطلب مزيدًا من التضامن والتنسيق.
وفي المقابل، فإن الاتفاق على اتخاذ إجراءات عملية لتطوير التعاون وزيادة التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين يضيف بعدًا اقتصاديًا إلى التنسيق السياسي. فالتحديات الأمنية المتصاعدة تدفع القاهرة والرياض إلى تعزيز الروابط الثنائية، ليس فقط لمواجهة الأزمات، وإنما أيضًا لبناء قدر أكبر من القدرة على امتصاص صدماتها الاقتصادية.
وتأتي أهمية ذلك في ظل محاولة دول المنطقة تنويع طرق التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على المسارات الأكثر عرضة للاضطراب. لكن التجربة الحالية تظهر أن البدائل البرية أو البحرية لا يمكن أن تعوض بسهولة عن الممرات التقليدية إذا أصبحت الأزمة واسعة وممتدة. فإغلاق أو اضطراب أحد الشرايين لا يغير مسار التجارة فحسب، بل يمكن أن ينقل الضغط إلى شريان آخر.
ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «من هرمز إلى باب المندب» أكثر من توصيف جغرافي لمسار بحري. إنها تختصر مأزقًا استراتيجيًا تواجهه المنطقة: ممرات الطاقة والتجارة باتت مترابطة إلى درجة تجعل أمن الخليج مرتبطًا بأمن البحر الأحمر، وأمن باب المندب مرتبطًا مباشرة بمصالح مصر والسعودية معًا.
ولا يعني الموقف الحازم الذي جاء في البيان بالضرورة أن القاهرة والرياض تتجهان إلى تشكيل تحالف عسكري جديد، لكن القمة تكشف بوضوح عن تقاطع متزايد في المصالح. فمصر تحتاج إلى بحر أحمر مستقر يحمي قناة السويس، والسعودية تحتاج إلى بيئة بحرية آمنة تحمي سواحلها ومصالحها التجارية وممرات الطاقة. وبين المصلحتين تتشكل مساحة واسعة للتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي.
وفي النهاية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إغلاق مضيق بعينه، وإنما في تحول اضطراب الملاحة إلى واقع إقليمي دائم يعيد رسم طرق التجارة والطاقة. وإذا كان هرمز يمثل بوابة الخليج، فإن باب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر، وبينهما تتقاطع مصالح مصر والسعودية ومصالح الاقتصاد العالمي. ولذلك تبدو رسالة القمة واضحة: لا يمكن حماية أحد شرياني الملاحة بمعزل عن الآخر.