مصر تنحاز إلى الجيش السوداني.. معركة منع التقسيم وحماية الأمن القومي

القاهرة ترى في تفكيك المؤسسة العسكرية بوابة لفوضى تهدد حدودها الجنوبية.. ودعم البرهان يتجاوز حسابات الحرب إلى الحفاظ على وحدة الدولة.
الخميس 2026/08/13
الجيش بالنسبة إلى مصر مؤسسة وطنية مركزية يمكن التعامل معها

القاهرة- لا تنظر مصر إلى الحرب السودانية باعتبارها صراعاً داخلياً يمكن أن ينتهي بتسوية بين الجيش وقوات الدعم السريع فحسب، وإنما تتعامل معها باعتبارها أزمة تمس مباشرة أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، خصوصاً إذا انتهت إلى تقسيم السودان أو تفكيك مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

ولهذا تبدو القاهرة أكثر وضوحاً في دعم الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، ليس فقط باعتباره طرفاً في الحرب، وإنما باعتباره المؤسسة التي ترى مصر أنها قادرة على الحفاظ على وحدة الدولة ومنع تحول السودان إلى مساحة مفتوحة أمام الفوضى والصراعات على السلطة.

وجدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الخميس، التأكيد على ثوابت بلاده الداعمة لوحدة السودان وسلامة أراضيه وسيادته ومؤسساته الوطنية، رافضاً أي محاولات لتقسيم البلاد أو تهديد وحدة الدولة وتماسكها.

وجاء الموقف خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في إطار التشاور المستمر بين البلدين بشأن تطورات الحرب والعلاقات الثنائية.

القاهرة قد تختلف مع حلفائها الإقليميين بشأن السودان، وقد تتباين معها في تقييم القوى المتصارعة، لكنها لن تتعامل مع وحدة السودان واستقرار مؤسساته باعتبارهما ملفاً قابلاً للمساومة

وأكد عبد العاطي أن مستقبل السودان يجب أن يقرره السودانيون أنفسهم، وأن أي عملية سياسية ينبغي أن تستند إلى «ملكية سودانية خالصة»، بما يحفظ مقدرات الشعب السوداني ويحقق تطلعاته إلى الأمن والاستقرار.

لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، ثمة حسابات أمنية مصرية أكثر تعقيداً.

بالنسبة إلى القاهرة، لا يمثل السودان مجرد دولة جارة، بل عمقاً جغرافياً وأمنياً مباشراً.

فالحدود الطويلة بين البلدين تجعل أي انهيار أمني داخل السودان قابلاً للانتقال إلى الأراضي المصرية، سواء عبر موجات النزوح والهجرة أو تهريب السلاح أو تنامي نشاط الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

والأهم أن تقسيم السودان سيعني، من وجهة النظر المصرية، نشوء مراكز قوة متعددة على الحدود الجنوبية، بعضها قد يكون خارج سيطرة الدولة المركزية، وهو سيناريو يصعب على القاهرة التعامل معه.

ومن هنا يمكن فهم التشديد المتكرر على وحدة السودان باعتبارها مصلحة مصرية مباشرة، وليس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي.

وقد كانت الرئاسة المصرية قد أكدت في ديسمبر الماضي أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها يمثل «خطاً أحمر» بالنسبة إلى مصر، مشيرة إلى حقها في اتخاذ التدابير التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.

لماذا يتمسك المصريون بالجيش؟

تعتقد القاهرة أن تفكيك المؤسسة العسكرية السودانية لن يؤدي بالضرورة إلى ولادة نظام مدني مستقر، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من التنافس المسلح بين قوى متعددة.

فالجيش، رغم الجدل السياسي حول دوره وحجم نفوذه، يظل بالنسبة إلى مصر مؤسسة وطنية مركزية يمكن التعامل معها باعتبارها عنواناً للدولة السودانية.

أما انهيارها أو تفكيكها، فيمكن أن ينتج فراغاً أمنياً وسياسياً تتنافس على ملئه قوى مسلحة وقبلية وسياسية، بما يجعل الوصول إلى تسوية وطنية أكثر صعوبة.

وهنا تتقاطع الرؤية المصرية مع هاجس آخر يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها: من يملك السلاح بعد الحرب؟ ومن يفرض قواعد اللعبة السياسية؟

فإذا انتهت الحرب إلى تعدد مراكز القوة، فإن أي حكومة مركزية ستكون أضعف من فرض سلطتها على كامل الأراضي السودانية.

◄ الرسالة المصرية تبدو واضحة: لا تقسيم، ولا تفكيك لمؤسسات الدولة، ولا قوة مسلحة بديلة تفرض واقعاً جديداً على السودان

وتبدو القاهرة أكثر تشدداً تجاه الدعم السريع، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من مشاريع سياسية أو جغرافية يمكن أن تؤدي إلى تكريس واقع تقسيمي في السودان.

ويكشف ذلك أيضاً عن مفارقة إقليمية مهمة؛ فالدعم السريع يحظى باتهامات متكررة بتلقي دعم إماراتي، في وقت ترتبط مصر والإمارات بعلاقات وثيقة وتحالفات متعددة في المنطقة.

لكن القاهرة، في الملف السوداني، تبدو مستعدة لوضع هذه العلاقة جانباً عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مصالح أمنها القومي.

وهذا يعني أن الموقف المصري لا يتحرك بالضرورة وفق منطق التحالفات الإقليمية وحدها، وإنما وفق حساب أكثر صرامة: منع قيام واقع سوداني يهدد الدولة المركزية أو يخلق قوة مسلحة مستقلة قادرة على فرض شروطها على المستقبل السياسي للبلاد.

هناك أيضاً بعد سياسي لا يمكن تجاهله في الحسابات المصرية، يتعلق بمستقبل الحركة الإسلامية السودانية.

فالقاهرة لا تبدو راغبة في عودة الإسلاميين إلى واجهة المشهد السوداني باعتبارهم قوة مستقلة قادرة على التحكم في القرار السياسي والأمني، لكنها في الوقت نفسه قد ترى أن بقاء مؤسسة الجيش أكثر قدرة على احتواء هذه القوى والتحكم في حجم تأثيرها من سيناريو انهيار المؤسسة العسكرية.

وبعبارة أخرى، فإن القاهرة لا تحتاج بالضرورة إلى انتصار الإسلاميين حتى تستفيد من بقاء الجيش، وإنما قد ترى في الجيش مؤسسة يمكن التعامل معها لضبط التوازنات الداخلية ومنع تحول الإسلاميين إلى قوة مستقلة خارج السيطرة.

وهذا البعد يصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى مصر بسبب مخاوفها من إمكانية تحول السودان إلى ساحة لاستضافة أو إعادة تنظيم عناصر وقوى مصرية معارضة أو هاربة، وهو سيناريو من شأنه أن يضيف بعداً أمنياً جديداً إلى الأزمة.

لذلك فإن بقاء مؤسسة عسكرية مركزية قادرة على فرض السيطرة على الأراضي السودانية يبدو، من منظور القاهرة، أقل خطراً من فراغ أمني يمكن أن تتحرك داخله قوى متعددة.

وقد يكون من الخطأ اختزال الموقف المصري في دعم شخص عبد الفتاح البرهان.

فالمصلحة المصرية الأوسع تبدو مرتبطة ببقاء مؤسسة الجيش والدولة السودانية، وليس بشخص قائد الجيش فقط.

فالبرهان يمكن أن يتغير، والتوازنات السياسية يمكن أن تتبدل، لكن ما تريد القاهرة الحفاظ عليه هو وجود مركز دولة قادر على السيطرة على الحدود، وضبط السلاح، ومنع التفكك الجغرافي، وإدارة انتقال سياسي يمكن التفاوض حوله.

الحدود الطويلة بين البلدين تجعل أي انهيار أمني داخل السودان قابلاً للانتقال إلى الأراضي المصرية، سواء عبر موجات النزوح والهجرة أو تهريب السلاح أو تنامي نشاط الجماعات المسلحة

وهذا يفسر استمرار القاهرة في التأكيد على أن مستقبل السودان يحدده السودانيون، حتى في الوقت الذي تواصل فيه دعم مؤسسات الدولة والجيش.

المتغير الأبرز في الخطاب المصري هو انتقاله تدريجياً من لغة دبلوماسية هادئة إلى رسائل أكثر صراحة بشأن الخطوط الحمراء.

فكلما اقتربت الحرب من إنتاج واقع تقسيمي أو تهديد مباشر لمؤسسات الدولة، ارتفع مستوى التحذير المصري.

وهذا لا يعني بالضرورة أن القاهرة قررت التدخل عسكرياً، لكنه يعني أنها تريد أن يعرف جميع أطراف الصراع أن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها من وجهة نظرها.

وهنا تصبح الإشارة المصرية إلى اتفاقية الدفاع المشترك ذات دلالة سياسية وأمنية، خصوصاً إذا تطورت الحرب باتجاه تقسيم فعلي أو انهيار مؤسسات الدولة.

تكشف الأزمة السودانية في النهاية عن قاعدة أساسية في السياسة المصرية: عندما يتعلق الأمر بالحدود الجنوبية، تصبح الحسابات مختلفة.

فالقاهرة قد تختلف مع حلفائها الإقليميين بشأن السودان، وقد تتباين معها في تقييم القوى المتصارعة، لكنها لن تتعامل مع وحدة السودان واستقرار مؤسساته باعتبارهما ملفاً قابلاً للمساومة.

ولهذا فإن الرسالة المصرية تبدو واضحة: لا تقسيم، ولا تفكيك لمؤسسات الدولة، ولا قوة مسلحة بديلة تفرض واقعاً جديداً على السودان.

ويبقى السؤال الأصعب هو ما إذا كان دعم الجيش سيقود فعلاً إلى الحفاظ على وحدة السودان، أم أن استمرار الحرب نفسها سيعمق الانقسامات ويجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.

لكن بالنسبة إلى القاهرة، يبدو أن المعادلة محسومة: جيش سوداني يمكن الضغط عليه والتفاوض معه وإعادة تشكيل دوره، أفضل من سودان بلا مؤسسة عسكرية مركزية، وحدود مفتوحة على الفوضى، وساحة تتنافس فيها قوى مسلحة وسياسية قد يصعب احتواؤها.

ولهذا فإن دعم مصر للبرهان لا ينبغي قراءته فقط باعتباره انحيازاً في حرب داخلية، بل باعتباره رهاناً على بقاء الدولة السودانية نفسها؛ رهان ترى القاهرة أن كلفته، مهما كانت، أقل من كلفة تفكيك السودان وتحوله إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار على حدودها الجنوبية.