مصانع خرسانة على حدود غزة: لإغلاق الأنفاق أم لإعادة الإعمار أم لكليهما؟
غزة- تثير مصانع الخرسانة التي أقيمت على حدود قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة تساؤلات تتجاوز وظيفتها المعلنة المتمثلة في إنتاج مواد تستخدم لإغلاق الأنفاق التي يكتشفها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع. فانتقال مسؤولية تمويل وإدارة هذه المصانع من وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى الجانب الأميركي يفتح الباب أمام احتمال ارتباطها بترتيبات أوسع لمستقبل غزة، خصوصاً أن الولايات المتحدة باتت تؤدي دوراً متزايداً في إدارة الملفات الأمنية والمدنية المرتبطة بالقطاع.
وبحسب ما أوردته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن مصانع للخرسانة أقيمت في منطقتي ناحال عوز وكرم أبو سالم، وتولت شركات مقاولات تشغيلها لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية.
وكانت المهمة الأساسية لهذه المنشآت إنتاج الخرسانة والمواد اللازمة لسد الأنفاق التي يعثر عليها الجيش الإسرائيلي في المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بـ"الخط الأصفر". غير أن المسؤولية عن تشغيل هذه المصانع وتمويلها ستنتقل إلى المقر الأميركي في مدينة كريات غات، الذي يدير مركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشأته القيادة المركزية الأميركية.
ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً حول طبيعة المرحلة المقبلة في قطاع غزة: هل يتعلق الأمر فقط بتقاسم الأعباء الأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة، أم أن نقل إدارة هذه المنشآت يمثل خطوة تمهيدية نحو إعادة توظيفها في مشاريع مدنية وإعمارية بعد الحرب؟.
ومن الناحية المباشرة، يمكن تفسير الخطوة باعتبارات أمنية بحتة. فالأنفاق تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه أي ترتيبات أمنية في غزة، وإغلاقها يحتاج إلى كميات كبيرة من الخرسانة ومعدات هندسية وعمليات ميدانية متواصلة.
وبالتالي، فإن وجود مصانع قريبة من القطاع يسمح بتوفير المواد بسرعة وتقليص الحاجة إلى نقلها من مناطق بعيدة، كما يمنح الجهة المشرفة قدرة أكبر على التحكم في عمليات الإنتاج والإمداد.
لكن انتقال هذه المنشآت إلى الإدارة والتمويل الأميركيين يضيف بعداً سياسياً مهماً. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بتقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، وإنما باتت تمتلك، عبر مركز التنسيق المدني العسكري، موقعاً مباشراً في متابعة ترتيبات وقف إطلاق النار والاستقرار في غزة.
ومن ثم، فإن توليها إدارة منشآت مرتبطة بالبنية التحتية للقطاع يمكن أن يعكس رغبة في تعزيز القدرة الأميركية على إدارة بعض التفاصيل العملية للمرحلة الانتقالية.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر إذا ما أخذ في الاعتبار أن غزة تواجه دماراً واسعاً في بنيتها التحتية، وأن أي عملية إعادة إعمار ستحتاج إلى كميات هائلة من الإسمنت والخرسانة والمواد الهندسية. فالقطاع يحتاج إلى إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق، فضلاً عن إصلاح المنشآت الحيوية التي تعرضت للدمار.
ومن هنا يبرز احتمال أن تكون مصانع الخرسانة الحالية جزءاً من بنية يمكن إعادة توظيفها مستقبلاً. فإذا كانت المنشآت مصممة في البداية لتلبية احتياجات عسكرية مرتبطة بإغلاق الأنفاق، فإن طبيعة المواد التي تنتجها لا تمنع من استخدامها لاحقاً في مشاريع مدنية، شرط أن تتغير آلية إدارتها وأهدافها والجهة المستفيدة منها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرار نقل الإدارة الأميركية للمصانع يمثل بداية فعلية لإعادة إعمار غزة، لكنه قد يكون مؤشراً على أن واشنطن تفكر في إنشاء قدرات لوجستية يمكن استخدامها في أكثر من مرحلة. فإعادة الإعمار لا تبدأ فقط عند بناء المنازل والمنشآت، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى تأمين مواد البناء وسلاسل الإمداد والطرق والآليات ومواقع التخزين والإنتاج.
طبيعة المواد التي تنتجها المصانع لغلق الأنفاق لا تمنع من استخدامها لاحقاً في مشاريع مدنية، شرط أن تتغير آلية إدارتها وأهدافها والجهة المستفيدة منها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تظل فيه قضية إعادة إعمار غزة شديدة التعقيد سياسياً وأمنياً. فإسرائيل تفرض قيوداً واسعة على إدخال مواد البناء إلى القطاع، بحجة منع استخدامها في إعادة بناء الأنفاق والمنشآت العسكرية.
وفي المقابل، ترى الأطراف الدولية أن إعادة الإعمار تمثل شرطاً أساسياً لتثبيت أي وقف طويل الأمد لإطلاق النار ومنع عودة الصراع.
وهنا يمكن أن تؤدي مصانع الخرسانة دوراً مزدوجاً. فمن جهة، توفر لإسرائيل والجهات الأمنية مواد تستخدم في معالجة الأنفاق والبنية التحتية العسكرية التي يتم اكتشافها.
ومن جهة أخرى، يمكن أن تتحول، إذا تغيرت الظروف السياسية والأمنية، إلى جزء من منظومة توفير مواد البناء اللازمة لإعادة إعمار القطاع.
ويبدو أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالمصانع ذاتها بقدر ما يتعلق بالجهة التي ستقرر كيفية استخدامها. فإذا ظلت مهمتها محصورة في إغلاق الأنفاق، فإن انتقالها إلى الإدارة الأميركية سيكون تحولاً في المسؤولية الأمنية واللوجستية أكثر منه تحولاً في طبيعة المهمة.
وأما إذا جرى لاحقاً دمجها في خطة أوسع لتوفير مواد البناء للمدن والمناطق التي تحتاج إلى إعادة إعمار، فإنها قد تصبح إحدى اللبنات الأولى في منظومة إعمار جديدة.
كما أن وجود مركز التنسيق المدني العسكري الأميركي في كريات غات يضيف بعداً مهماً إلى هذه المعادلة. فهذا المركز أُنشئ لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار ودعم استقرار غزة، ما يعني أن انتقال بعض المهام من المؤسسات الإسرائيلية إلى هذا الإطار الأميركي قد يعكس تحولاً تدريجياً في طريقة إدارة المرحلة المقبلة.
لكن أي انتقال نحو إعادة الإعمار سيواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضمان وصول مواد البناء إلى المدنيين ومنع استخدامها لأغراض عسكرية، إلى جانب تحديد الجهة التي ستدير المشاريع داخل القطاع.
كما أن إعادة بناء غزة تحتاج إلى اتفاق سياسي وأمني واضح يحدد مسؤوليات إسرائيل والسلطة الفلسطينية والدول العربية والجهات الدولية، ويضمن تدفق التمويل والمواد على مدى سنوات.
ولذلك، فإن مصانع الخرسانة على حدود غزة تبدو في الوقت الحالي مرتبطة أساساً بملف الأنفاق والأمن، لكن انتقالها إلى الإدارة الأميركية يفتح الباب أمام سيناريو مختلف. فقد تكون واشنطن بصدد تولي جزء أكبر من المسؤولية عن الملفات العملية في غزة، وقد تكون هذه المنشآت مجرد أداة أمنية ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، أو نواة لبنية لوجستية يمكن استخدامها لاحقاً في إعادة الإعمار.
وفي كل الأحوال، فإن الجمع بين الوظيفتين يظل احتمالاً قائماً: إنتاج الخرسانة لإغلاق الأنفاق من جهة، والاستعداد لاستخدام القدرات نفسها في مشاريع إعادة البناء من جهة أخرى.
والفيصل لن يكون في طبيعة المصانع، بل في التطورات السياسية والأمنية التي ستحدد مستقبل غزة، وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستنتقل من إدارة آثار الحرب إلى بناء ترتيبات دائمة لإعادة إعمار القطاع.