مخاوف في العراق من انخراط الميليشيات في التصعيد الإيراني – الإسرائيلي

فصائل مسلّحة ترى فرصة مواتية لنسف مسار ضبط فوضى السلاح.
الثلاثاء 2026/06/09
مصلحة إيران فوق كل اعتبار

مشاركة الميليشيات الموالية لإيران في الحرب ستربك الوضع الأمني العراقي، وستنسف الاستقرار الذي تحتاج إليه حكومة الزيدي بشدّة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدمية الصعبة.

بغداد- يجد العراق نفسه مجددا في قلب عاصفة إقليمية تهدد بإعادة خلط أوراقه الأمنية والسياسية، مع تجدّد المواجهة المسلحة بين إيران وإسرائيل واتساع احتمالات انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات. فبغداد، التي لم تتعاف بعد بشكل كامل من آثار سنوات طويلة من الحروب والانقسامات والفوضى الأمنية، تبدو اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية في بداية عهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي رفع منذ وصوله إلى السلطة شعار استعادة هيبة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وأشاع التصعيد الأخير بين طهران وتل أبيب حالة قلق واسعة داخل الأوساط السياسية والأمنية العراقية، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي والتداخل الأمني بين العراق وإيران، وإنما أيضا بسبب شبكة العلاقات السياسية والعسكرية المعقدة التي لا تزال تربط عددا من الفصائل العراقية المسلحة بطهران، ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”. ويخشى المسؤولون العراقيون أن تدفع الحسابات العقائدية والسياسية بعض تلك الفصائل إلى الانخراط المباشر في المواجهة، سواء عبر استهداف مصالح أميركية داخل العراق أو من خلال فتح جبهات دعم لوجستي وعسكري لصالح إيران.

ويمثل هذا السيناريو كابوسا حقيقيا لحكومة الزيدي، لأنه سيضعها في مواجهة اختبار مبكر لقدرتها على فرض سلطتها على الفصائل المسلحة وتنفيذ وعودها المتعلقة بضبط السلاح المنفلت. كما أن أي انخراط عراقي في الحرب، ولو عبر فصائل غير رسمية، سيقوض المسار السياسي والأمني الذي حاولت الحكومة إطلاقه خلال الأشهر الماضية بهدف إعادة بناء صورة الدولة واستعادة ثقة الداخل والخارج بقدرتها على فرض الاستقرار.

◄ الزيدي خلال اتصالاته شدد على ضرورة تجنيب العراق تداعيات الحرب ومنع استخدام أراضيه في أي عمليات عسكرية أجنبية

وتزداد المخاوف داخل بغداد من أن تجد الميليشيات في التصعيد الإقليمي فرصة مناسبة للتهرب من الاستحقاقات الداخلية المتعلقة بتفكيك نفوذها العسكري. فالفصائل التي كانت تواجه ضغوطا متزايدة للاندماج ضمن مؤسسات الدولة أو تسليم جزء من أسلحتها، تستطيع اليوم التذرع بأن “محور المقاومة” لا يزال في حالة مواجهة مفتوحة، وأن سلاحها ما زال “ضرورة إستراتيجية” في ظل التهديدات الإسرائيلية والأميركية.

وتدرك الحكومة العراقية أن عودة الميليشيات إلى العمل العسكري الإقليمي لن تبقى دون تبعات مباشرة على الداخل العراقي. فإسرائيل سبق أن لوّحت مرارا بأنها لن تتسامح مع استخدام الأراضي العراقية كمنصة للهجمات أو كمسار لتمرير السلاح والمقاتلين، وهو ما يعني أن أي تحرك للفصائل قد يستدعي ردا إسرائيليا يهدد بإعادة العراق إلى دائرة الاستهداف العسكري والأمني بعد سنوات من محاولات التهدئة وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه العراق من أوضاع اقتصادية ومالية حساسة، تفاقمت بفعل اضطراب أسواق الطاقة والتوترات المتصاعدة في منطقة الخليج ومضيق هرمز. وقد أدى تراجع الصادرات النفطية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن إلى زيادة الضغوط على المالية العامة العراقية، ما انعكس بصورة مباشرة على الوضعين المعيشي والخدمي وأعاد مناخ التذمر الشعبي إلى الواجهة.

وترى أوساط عراقية أن أخطر ما يواجه حكومة الزيدي حاليا ليس فقط احتمال الانفجار الأمني، بل أيضا خطر فقدان التوازن في علاقاتها الخارجية، خصوصا مع الولايات المتحدة. فبغداد ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على النظام المالي الأميركي في إدارة عائداتها النفطية وحركة الدولار داخل السوق العراقية، وهو ما يمنح واشنطن أدوات ضغط شديدة التأثير على الاقتصاد العراقي.

ومن هذا المنطلق تخشى الحكومة العراقية أن يؤدي أي نشاط للفصائل الموالية لإيران إلى استثارة غضب الإدارة الأميركية، خصوصا في ظل الضغوط التي مارستها واشنطن خلال الأشهر الماضية على بغداد من أجل كبح نفوذ الميليشيات وضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراع الإقليمي.

ولهذا السبب دشّن رئيس الوزراء العراقي حراكا سياسيا وأمنيا مكثفا بالتعاون مع فريقه الخاص وقادة الإطار التنسيقي، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الفصائل إلى المواجهة. ونقلت مصادر عراقية مطلعة أن الحكومة بدأت منذ الساعات الأولى للتصعيد سلسلة اتصالات وضغوط مباشرة مع قيادات الفصائل المسلحة، بما في ذلك تلك التي تعمل تحت واجهات تنظيمية مختلفة لكنها ترتبط عمليا بفصائل معروفة ونافذة على الساحة العراقية.

وبحسب تلك المصادر، شدد الزيدي خلال اتصالاته على ضرورة تجنيب العراق تداعيات الحرب ومنع استخدام أراضيه في أي عمليات عسكرية قد توسع دائرة الصراع. كما أبلغ قادة الفصائل بأن الحكومة ستتعامل بصرامة مع أي تحرك عسكري خارج إطار الدولة، وأنها مستعدة لاتخاذ إجراءات قانونية وأمنية بحق الجهات التي تحاول جر العراق إلى المواجهة.

ويبدو أن هذا التحرك يحظى، حتى الآن، بغطاء سياسي واسع نسبيا داخل القوى الشيعية الرئيسية المنضوية ضمن الإطار التنسيقي، والتي باتت تدرك أن أي انفجار أمني جديد قد يهدد مصالحها السياسية ونفوذها داخل الدولة، خاصة بعد سنوات من محاولات إعادة ترميم صورة النظام السياسي العراقي أمام الشارع وأمام القوى الدولية والإقليمية.

غير أن قدرة الحكومة على فرض هذا التوجه تبقى موضع اختبار حقيقي، في ظل استمرار وجود فصائل عقائدية شديدة الارتباط بطهران، تعتبر نفسها جزءا عضويا من مشروع إقليمي عابر للحدود أكثر من كونها جزءا من معادلة الدولة العراقية التقليدية. وتبرز في هذا السياق جماعات مثل كتائب حزب الله وميليشيا النجباء، اللتين تعلنان بشكل واضح ولاءهما للجمهورية الإسلامية واستعدادهما للتحرك وفق أولويات الحرس الثوري الإيراني.

مخاوف داخل بغداد من أن تجد الميليشيات في التصعيد الإقليمي فرصة مناسبة للتهرب من الاستحقاقات الداخلية المتعلقة بتفكيك نفوذها العسكري

في المقابل أبدت فصائل أخرى مرونة أكبر تجاه مشروع الدولة، ووافقت مبدئيا على تسليم جزء من أسلحتها أو إعادة تنظيم وجودها العسكري، ومن بينها عصائب أهل الحق، في خطوة رآها مراقبون محاولة للتكيف مع التحولات السياسية الجديدة وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة أو المجتمع الدولي.

لكن المشهد العراقي يبقى معقدا ومفتوحا على احتمالات متعددة، لأن مستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل لم يعد مرتبطا فقط بالتوازنات الداخلية، بل أيضا بمسار الصراع الإقليمي نفسه. فإذا اتجهت المواجهة بين إيران وإسرائيل نحو المزيد من التصعيد، فإن قدرة بغداد على الحفاظ على سياسة النأي بالنفس ستصبح أكثر صعوبة، خصوصا مع تصاعد الضغوط المتبادلة من واشنطن وطهران على الساحة العراقية.

وفي ظل هذا الواقع يبدو أن حكومة علي الزيدي تخوض معركة مزدوجة؛ معركة لمنع تحويل العراق مجددا إلى ساحة حرب بالوكالة، ومعركة داخلية لإثبات أن الدولة قادرة أخيرا على فرض قرارها السيادي فوق حسابات السلاح والفصائل والمحاور الإقليمية.

2