مجدي الحراسيس.. رجل الاستخبارات في قيادة الجيش الأردني

انتقل من الاستخبارات العسكرية إلى كلية الدفاع الوطني قبل أن يتولى رئاسة الأركان.
الأربعاء 2026/09/02
اتساع طبيعة الخبرة التي راكمها الضابط الأردني

عمان- لم يكن تعيين اللواء الركن مجدي محمد حماد الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة في الأردن مجرد تغيير في أعلى هرم القيادة العسكرية، بل جاء باختيار ضابط راكم خبرة في واحد من أكثر الملفات حساسية داخل المؤسسة العسكرية، هو الاستخبارات والأمن، قبل أن ينتقل إلى مجال التعليم والتخطيط الاستراتيجي العسكري.

وأصدر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الأربعاء، إرادة ملكية بتعيين الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة اعتباراً من 2 سبتمبر/أيلول 2026، خلفاً للفريق يوسف أحمد الحنيطي، الذي أُحيل إلى التقاعد في اليوم نفسه. وتزامن التعيين مع ترفيع الحراسيس إلى رتبة لواء.

ويمنح هذا المسار الحراسيس خلفية مختلفة نسبياً عن صورة القائد العسكري الذي يصل إلى رئاسة الأركان عبر المسار العملياتي التقليدي؛ فهو يأتي إلى المنصب من مسار يجمع بين العمل الاستخباري، وفهم التهديدات الأمنية، والتأهيل الاستراتيجي للقيادات العسكرية.

من الاستخبارات إلى قمة القيادة

◄ يأتي الحراسيس إلى المنصب من مسار يجمع بين العمل الاستخباري، وفهم التهديدات الأمنية، والتأهيل الاستراتيجي للقيادات العسكرية

برز اسم الحراسيس بشكل واضح في أغسطس/آب 2022، عندما تولى منصب مدير الاستخبارات العسكرية العامة برتبة عميد ركن. وتؤكد مصادر أردنية رسمية ظهوره في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بصفته مديراً للمديرية، خلال زيارة رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك يوسف الحنيطي للمديرية، حيث قدّم الحراسيس إيجازاً حول مهام الاستخبارات العسكرية وخطط تطويرها.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة عمل الاستخبارات العسكرية الأردنية، المرتبط بحماية القوات المسلحة والمملكة، والتنسيق مع الأجهزة الأمنية، ومتابعة التهديدات التي يمكن أن تمس الأمن العسكري والحدود والاستقرار.

وبالتالي، فإن السنوات التي قضاها الحراسيس في هذا الموقع وضعته في قلب ملفات تتعامل معها المؤسسة العسكرية بعيداً عن الأضواء، من قراءة المخاطر الإقليمية ومتابعة التهديدات العابرة للحدود إلى تقييم التطورات الأمنية المحيطة بالمملكة.

من المعلومات إلى التخطيط الاستراتيجي

لكن مسار الحراسيس لم يتوقف عند العمل الاستخباري. فقبل انتقاله إلى رئاسة هيئة الأركان المشتركة، تولى منصب آمر كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية، وهي مؤسسة معنية بإعداد وتأهيل القيادات في مجالات الأمن والدفاع والتخطيط الاستراتيجي.

وتشير هذه النقلة إلى اتساع طبيعة الخبرة التي راكمها الضابط الأردني؛ فمن إدارة جهاز يتعامل مع المعلومات والتهديدات إلى مؤسسة تركز على إعداد القيادات وصياغة الرؤى الاستراتيجية.

◄ برز اسم الحراسيس بشكل واضح في أغسطس/آب 2022، عندما تولى منصب مدير الاستخبارات العسكرية العامة برتبة عميد ركن.
◄ برز اسم الحراسيس بشكل واضح في أغسطس/آب 2022، عندما تولى منصب مدير الاستخبارات العسكرية العامة برتبة عميد ركن.

وفي أغسطس/آب 2026، ظهر الحراسيس بهذه الصفة خلال زيارة وفد عسكري أردني إلى ليبيا، في إطار مباحثات تناولت التعاون العسكري والتدريب المشترك، وهو ما يعكس أيضاً انخراطه في ملفات التعاون العسكري الخارجي قبل وصوله إلى رئاسة الأركان.

خبرة أمنية في منطقة مضطربة

يأتي صعود الحراسيس إلى قيادة الجيش في توقيت إقليمي بالغ الحساسية. فالأردن يقع في نقطة تتقاطع فيها أزمات وحروب المنطقة، من الحرب في غزة والتوتر الإسرائيلي-الفلسطيني، إلى الصراع الأميركي-الإيراني، وأمن الحدود مع سوريا والعراق، فضلاً عن تحديات تهريب المخدرات والأسلحة والتسلل عبر الحدود.

وهذه البيئة تجعل الخبرة الاستخبارية عاملاً مهماً في تحديد طبيعة المخاطر التي تواجه الجيش، خصوصاً أن التهديدات الحديثة لم تعد تأتي بالضرورة في صورة جيوش نظامية تواجه بعضها على خطوط تماس واضحة، وإنما يمكن أن تتخذ شكل مسيّرات وصواريخ وشبكات تهريب ومجموعات مسلحة، فضلاً عن الحرب المعلوماتية والعمليات العابرة للحدود.

ومن هذه الزاوية، يمثل وصول ضابط أمضى جزءاً مهماً من مسيرته في الاستخبارات إلى موقع رئيس هيئة الأركان مؤشراً على أهمية المعرفة الاستخبارية والاستباق في التعامل مع بيئة أمنية شديدة التعقيد.

تحديث الجيش

في رسالته إلى الحراسيس عقب تعيينه، حدد الملك عبد الله الثاني مجموعة من الأولويات، أبرزها مواصلة جهود إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير قدرات الجيش العربي وتحديث أدواته، إلى جانب مواجهة التحديات والتهديدات المستجدة بأعلى درجات الكفاءة والجاهزية.

كما شدد الملك على رعاية منتسبي القوات المسلحة، وبناء قدراتهم، ورفع مستويات الأداء والاحترافية.

وتكشف هذه التوجيهات عن أن مهمة رئيس الأركان الجديد لا تتعلق فقط بإدارة الوضع العسكري القائم، وإنما بإدارة عملية تحديث أوسع للمؤسسة العسكرية.

فالتحديث بالنسبة للأردن لا يعني شراء أسلحة جديدة فحسب، بل يشمل تطوير منظومات الاستطلاع والمراقبة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة ومكافحتها، والقدرات الاستخبارية، فضلاً عن رفع قدرة القوات المسلحة على العمل ضمن بيئة عسكرية تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والبيانات وسرعة اتخاذ القرار.

من الحنيطي إلى الحراسيس

ويخلف الحراسيس الفريق يوسف الحنيطي، الذي قاد هيئة الأركان المشتركة خلال سنوات شهدت تغيرات عسكرية وأمنية متسارعة في الإقليم، قبل إحالته إلى التقاعد اعتباراً من 2 سبتمبر/أيلول 2026.

◄ هذه المرحلة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة عمل الاستخبارات العسكرية الأردنية، المرتبط بحماية القوات المسلحة والمملكة، والتنسيق مع الأجهزة الأمنية

أما الحراسيس، فيدخل المنصب وهو يحمل تجربة في مجالين أساسيين: معرفة التهديدات من الداخل عبر العمل الاستخباري، والتعامل معها من منظور التخطيط الاستراتيجي عبر كلية الدفاع الوطني.

ولهذا يمكن قراءة اختياره باعتباره استمراراً لمسار تطوير المؤسسة العسكرية الأردنية، وليس قطيعة مع المرحلة السابقة. فالمطلوب في المرحلة المقبلة هو الحفاظ على جاهزية الجيش، مع تطوير أدواته لمواجهة تهديدات باتت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.

اختبار القيادة الجديدة

سيكون الاختبار الحقيقي للحراسيس في قدرته على تحويل هذه الخبرة المتراكمة إلى سياسات وقدرات عسكرية ملموسة.

فالأردن يمتلك جيشاً يتمتع بخبرة طويلة في العمليات والتدريب والتعاون العسكري الدولي، لكنه يعمل في الوقت نفسه ضمن بيئة جغرافية ضاغطة وموارد محدودة مقارنة بحجم التحديات المحيطة به.

ومن هنا، سيكون تحديث القدرات، ورفع الجاهزية، وتعزيز الاستخبارات والدفاع الجوي، وحماية الحدود، وتطوير التعاون العسكري مع الحلفاء، من أبرز الملفات التي ستحدد بصمة رئيس الأركان الجديد.

ويبدو أن اختيار الحراسيس يضع الخبرة الاستخبارية والاستراتيجية في قلب المرحلة الجديدة للجيش الأردني. وهو ضابط صعد من العمل خلف الكواليس في جهاز أمني شديد الحساسية، إلى مؤسسة تُعنى بإعداد القيادات والتخطيط الاستراتيجي، ثم إلى أعلى منصب عسكري تنفيذي في المملكة.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: من هو مجدي الحراسيس؟ بل ماذا يعني وصول ضابط بهذه الخلفية إلى قيادة الجيش في وقت تتحول فيه طبيعة التهديدات المحيطة بالأردن بسرعة أكبر من أي وقت مضى؟