ما علاقة حكومة الدبيبة بعملية “مولوتشكا”؟

اختيار الدبيبة التحالف مع نظام كييف ليس وليد الصدفة، وإنما هو نتاج جملة من المعطيات السياسية والإستراتيجية والإيديولوجية.
الاثنين 2026/09/14
صراع النفوذ يمكن أن يدخل بالبلاد حرباً مدمرة بالوكالة

من الصعب على أي مراقب محايد أن ينظر بعين الجد إلى ما صدر عن وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، من نفي وجود أي اتفاق أو تنسيق يسمح باستخدام قاعدة مصراتة العسكرية لتنفيذ عمليات عسكرية خارج إطار المهام السيادية للدولة، وتأكيدها أنها لم تمنح أي طرف أجنبي إذناً باستخدام الأراضي أو المنشآت أو الأجواء أو المياه الإقليمية الليبية لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة أو جهة.

النفي الرسمي جاء كمحاولة لذرّ الرماد في العيون، بعد الاهتمام الواسع الذي لقيه تقرير شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية عن مشاركة ضباط أوكرانيين في عمليات داخل ليبيا انطلاقاً من قاعدة عسكرية في مصراتة تُستخدم كنقطة انطلاق لمهاجمة السفن الروسية الناقلة للنفط جواً وبحراً، مقابل تدريب الميليشيات المحلية في مصراتة وطرابلس على تشغيل المسيرات البحرية والجوية.

التشكيك في صحة نفي وزارة الدفاع لما ورد في التقرير لا يأتي من باب ليّ الأذرع أو النزوع نحو استهداف حكومة الوحدة والدبيبة شخصياً باعتباره المكلف بالحقيبة الوزارية والمشرف على تلك الوزارة منذ توليه تشكيل حكومته في مارس 2021، وإنما هو عود على بدء في قراءة المشهد انطلاقاً من معطيات سابقة تصب في ذات الاتجاه.

“سي إن إن” نقلت عن أحد مشغلي المسيّرات البحرية الأوكرانيين الموجودين في ليبيا قوله إن وحدته تستخدم قاعدة عسكرية دولية في مصراتة كنقطة انطلاق لمهاجمة ما يعرف بـ”أسطول الظل الروسي”، وأبرزت أن وحدات أوكرانية متخصصة في تشغيل الطائرات المسيّرة انتشرت في شمال غرب ليبيا منذ نهاية العام الماضي. تلك المعلومات لا يمكن فصلها عن حركة القوات الأوكرانية في منطقة الساحل والصحراء، وتعاونها مع ميليشيات متشددة وأخرى انفصالية، تحت غطاء دعم مخابراتي أوروبي واسع، لإلحاق الأذى بمسلحي الفيلق الأفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية.

في مطلع مارس 2026، تعرضت ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية “أركتيك ميتاغاز” لانفجارات مفاجئة وحريق هائل قبالة السواحل الليبية على بعد نحو 130 ميلاً بحرياً شمال ميناء سرت، مما أدى إلى غرقها بالكامل أثناء رحلتها من روسيا إلى مصر، مع إنقاذ طاقمها المكون من 30 فرداً بسلام. بعد أسابيع قليلة، كشفت إذاعة فرنسا الدولية في تحقيق استقصائي عن وجود عسكري أوكراني متنامٍ في غرب ليبيا، ضمن سياق صراع غير معلن بين كييف وموسكو يمتد تدريجياً إلى القارة الأفريقية، وأكدت أن أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري أوكراني ينتشرون في ثلاث مواقع رئيسية بالتنسيق مع حكومة التطبيع، أبرزها أكاديمية القوات الجوية في مصراتة التي تضم أيضاً قوات تركية وإيطالية وحضوراً استخباراتياً بريطانياً وأمريكياً. كما يشمل الانتشار مواقع في الزاوية قرب مجمع مليتة النفطي، وداخل مقر اللواء 111 بطريق مطار طرابلس.

أشار التقرير إلى أن هذا الوجود جاء بموجب اتفاق موقّع في أكتوبر 2025، يتضمن برامج تدريب متخصصة للقوات الليبية، خصوصاً في تشغيل الطائرات المسيّرة، مقابل حصول أوكرانيا على موطئ قدم عسكري وفرص مستقبلية في قطاع النفط، واستعرض اتهامات روسية لأوكرانيا بتنفيذ هجمات على ناقلات نفط وغاز روسية في البحر المتوسط، محذراً من تحول ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة بين موسكو وكييف مع تصاعد الأنشطة العسكرية غير المعلنة وتبادل الاتهامات بين الطرفين.

حكومة الدبيبة تجد نفسها في قلب معادلة معقدة، بين اتهامات موسكو وتعاون كييف، لتتحول ليبيا إلى ساحة اختبار لصراع بالوكالة متصاعد.

بالنسبة لكييف، ليس لها ما تخفيه في هذا السياق، فقد سبق لها أن تحدثت عن حملة عسكرية واسعة النطاق أطلقت عليها اسم “مولوتشكا”، قالت إنها تستهدف من خلالها ناقلات وسفن أسطول الظل الروسي في البحر الأسود وبحر آزوف، وذلك باستخدام الطائرات المسيّرة البحرية والجوية لتعطيل صادرات الطاقة الروسية وخنق تمويل حرب العملية العسكرية الخاصة التي تنفذها موسكو منذ 24 فبراير 2022.

أما موسكو، فقد اتهمت الدبيبة بدعم جماعات أوكرانية ومنحها تسهيلات لوجستية بإسناد مباشر من المخابرات البريطانية، وبعض التقارير تتحدث عن قوى إقليمية فاعلة تدعم حكومة الوحدة في تعاونها مع نظام كييف بهدف تقليص النفوذ الروسي الذي ما انفك يتمدد في منطقة الساحل والصحراء بالتزامن مع تراجع الحضور الفرنسي بشكل غير مسبوق.

واختيار الدبيبة التحالف مع نظام كييف ليس وليد الصدفة، وإنما هو نتاج جملة من المعطيات السياسية والإستراتيجية والإيديولوجية. أولاً: ينظر الفاعلون الأساسيون في غرب ليبيا ومن بينهم أمراء الحرب وقادة الميليشيات إلى موسكو على أنها عدو لدود، بسبب دعمها للقيادة العامة للقوات المسلحة، وهم يعتقدون أن أي خسارة للروس تمثل خسارة لفريق “الرجمة”. هذه الرؤية تتخذ أبعاداً أكثر اتساعاً عندما نضعها في إطار الموقف العقائدي المتشدد الذي تتخذه تيارات الإسلام السياسي (ومن بينهم جماعة الإخوان) إزاء روسيا، باعتبارها قوة ضاربة طالما وقفت في مواجهة مشاريعهم للتمكن التام في ساحات مهمة، ودخلت معهم حروباً عدة في أفغانستان والشيشان وسوريا وغيرها، وكانت أول قوة دولية مؤثرة استقبلت المشير خليفة حفتر كقائد عسكري وسياسي وتبنت شعارات ثورة الكرامة، ونظرت إلى سلطة القيادة العامة كامتداد للدولة الوطنية في ليبيا.

ثانياً: يتبنى الدبيبة مبدأ “عدو عدوي صديقي” في إشارة إلى أوكرانيا التي تخوض حرباً مع موسكو، و”صديق عدوي عدوي” في إشارة إلى روسيا التي تعد حليفاً قوياً للمشير حفتر وقواته، ويرى في التعاون مع كييف جسراً للتواصل والتعاون ونيل ثقة عواصم أوروبا الغربية التي تقف بكل قوة لدعم الأوكران ضد الروس.

ثالثاً: ينفذ الدبيبة توصيات مستشاريه وخاصة من أمراء الحرب، الذين يرون في التعاون مع أوكرانيا فرصة ملائمة لإعداد العدة وتهيئة الإمكانيات اللازمة والضرورية لخوض أية حرب مرتقبة مع قوات القيادة العامة، معتبرين أن كييف قد تكون أفضل حليف يتصدى لأي دور تقوم به موسكو في دعم وإسناد “الرجمة”، لاسيما أن الأوكران أثبتوا قدرة فائقة على مواجهة الروس كما أثبت طيرانهم المسيّر نجاعة في ضرب أهداف كبرى داخل روسيا وخارجها.

إن المعطيات الواردة في تقرير شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأميركية جاءت لتؤيد ما ورد في تحقيق كانت أجرته إذاعة فرنسا الدولية، ولتكشف عن طبيعة صراع النفوذ الذي يتبلور داخل ليبيا، والذي يمكن أن يدخل بالبلاد حرباً مدمرة بالوكالة، كما يطرح جملة من الأسئلة عن رد الفعل المنتظر من قبل روسيا، وما يخفيه صمت القيادة العامة إزاء هذا الملف، لاسيما بعد ما شهدته الزاوية وطرابلس خلال الفترة الماضية من استخدام الطيران المسيّر في استهداف منشآت نفطية ذات طبيعة إستراتيجية مرتبطة بالأمن الطاقي للبلاد.