ما الذي يمنع تونس من استقطاب 20 مليون سائح
ما الذي يمنع تونس من استقطاب 20 مليون سائح؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى طموحًا إلى حد المبالغة، لكنه يتحول إلى استفسار مشروع حين ننظر بهدوء إلى ما تملكه البلاد من عناصر جذب قلّ أن تجتمع في وجهة واحدة: موقع جغرافي استثنائي، شريط ساحلي طويل، مخزون حضاري يمتد آلاف السنين، مطبخ متوسطي متنوع، ومناخ يسمح بالسياحة على مدار العام.
العائق الحقيقي لا يكمن في نقص الإمكانات، بل في الذهنية التي ما تزال تدير بها تونس سياحتها.. ذهنية أسيرة مقاربة تقليدية تُراكم الأعداد دون أن تُنتج القيمة.
سنة 2025 شكّلت مفارقة لافتة في هذا السياق. فقد حققت تونس رقمًا قياسيًا باستقبال نحو 11 مليون سائح، وهو رقم غير مسبوق في تاريخها السياحي، لكنه ترافق مع إيرادات لم تتجاوز 2.8 مليار دولار. هنا يبرز الخلل بوضوح: عدد كبير من الزوار مقابل عائد مالي ضعيف نسبيًا.
المشكلة ليست في نقص السياح؛ تونس أثبتت في 2025 أنها قادرة على جذب الملايين لكنها لم تُثبت بعد أنها قادرة على تحويل هؤلاء الملايين إلى قيمة اقتصادية حقيقية
بمقارنة بسيطة، نجد أن المغرب استقبل العام الماضي قرابة 20 مليون زائر، أي تقريبا ضعف ما تستقبله تونس، لكن قيمة إيرادات سياحته تفوق 13.5 مليار دولار دون احتساب شهر كانون الأول – ديسمبر، بينما استقبلت مصر حوالي 19 مليون سائح، وحققت أكثر من 19 مليار دولار من العائدات، وفق ما صرح به المسؤولون.
الفارق لا يفسَّر بعدد السياح، بل بنوعية التجربة، ومتوسط الإنفاق، وطول مدة الإقامة، وذكاء الترويج. يكفي أن تقارن بين الأرقام السابقة لتعرف أن تناسب مدخول السياحة التونسية مقارنة بالزائرين ليس نفسه في مصر والمغرب. لذا ثمة حلقة مفقودة، سواء كانت سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية، يجب البحث عنها وإدماجها في سلسلة القيمة.
تونس ما تزال تسوق نفسها كوجهة قليلة التكلفة، لا كوجهة غنية بالتجربة. السائح يأتي، يستهلك أقل ما يمكن، ويغادر سريعًا. هذا النموذج قد يرفع الأرقام في الإحصائيات، لكنه لا يبني صناعة سياحية مستدامة، ولا يولد قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد. السياحة تحولت إلى سباق أعداد، لا إلى مشروع متكامل يربط الثقافة والفلاحة والصناعة الغذائية والرياضة والفن والاقتصاد المحلي.
هنا، يكتسب خبر زيارة وفد من المؤثرين العمانيين لتونس في الفترة الأخيرة دلالة تتجاوز الحدث نفسه. الزيارة في ظاهرها اقتصادية، تتمحور حول تتبع سلسلة إنتاج زيت الزيتون من الحقول إلى موائد العمانيين. لكن في العمق، تحولت إلى حملة ترويج للسياحة التونسية غير مباشرة، وربما أكثر فاعلية من عشرات الحملات الرسمية.
الصور والفيديوهات التي نشرها هؤلاء المؤثرون حول تجربتهم لم تكن لنزل فاخرة أو مسابح، بل للريف، وللمعاصر التقليدية، وللأسواق، وللأكل، وللناس. تونس ظهرت كبلد حي، له روح وقصة، لا كمنتج سياحي معلب. هذا المثال يكشف أن السياحة الحديثة لا تُبنى فقط عبر وزارة أو ميزانية إشهار، بل عبر سردية ذكية تُروى من زوايا غير متوقعة.
السائح اليوم لا يبحث فقط عن الشمس والبحر، بل عن المعنى، والتجربة، والاختلاف. يريد أن يعرف كيف يُصنع زيت الزيتون، كيف يُطهى الكسكسي، كيف يعيش الناس خارج أسوار النزل، ليس فقط ما تثريه المتاحف والآثار من حضارة تونس. الترويج هنا يصبح نتيجة جانبية ذكية لمسار اقتصادي أو ثقافي أو فلاحي مُحكم.
أي سائح نريد؟ سائح يمرّ ويغادر بأقل كلفة، أم سائح يعيش التجربة، ينفق، ويعود، ويتحول إلى سفير للبلد؟ حين تجيب تونس عن هذا السؤال.. عندها تتحول السياحة من عبء إلى محرك تنموي
ما يمنع تونس من بلوغ 20 مليون سائح فعليًا، مع عائدات محترمة، هو إصرارها على الفصل بين القطاعات. السياحة تُدار بمعزل عن الفلاحة، وعن الرياضة، وعن الصناعات الغذائية، وعن الثقافة. بينما دول أخرى، مثل رواندا، فهمت أن الترويج السياحي يمكن أن يمر عبر قميص فريق عالمي في الدوري الإنجليزي الممتاز. شراكاتها مع أندية كبرى لم تكن دعاية مباشرة للغابات أو الفنادق، بل زرعًا ذكيًا لاسم البلد في الوعي العالمي، وربطه بسردية الطموح والاحتراف.
لماذا لا تفكر تونس بالطريقة نفسها؟ لماذا لا تُسوّق نفسها عبر شراكات رياضية وثقافية عالمية، أو عبر منتجاتها الرمزية مثل زيت الزيتون والتمر والهريسة؟ لماذا لا يتحول كل منتج ناجح في الخارج إلى بوابة دعوة لاكتشاف البلد؟ السائح الذي يتعرّف على زيت الزيتون التونسي في مسقط أو باريس أو طوكيو، هو مشروع زائر محتمل إذا رُبط المنتج بقصته وأرضه وناسه.
العائق الآخر هو الخوف من كسر النموذج القديم. ما تزال تونس تراهن على نفس الأسواق، ونفس المواسم، ونفس العروض، وكأن السياحة قدر موسمي لا صناعة مستمرة. تفكيك الطرق التقليدية يعني القبول بتعدد السياحات: سياحة فلاحية، ثقافية، رياضية، طهوية، بيئية، ورقمية. يعني إشراك المؤثرين، وصناع المحتوى، والرياضيين، والطهاة، والمزارعين، لا ترك الملف حكرًا على الإدارات.
المشكلة ليست في نقص السياح، بل في ضعف الرؤية. تونس أثبتت في 2025 أنها قادرة على جذب الملايين، لكنها لم تُثبت بعد أنها قادرة على تحويل هؤلاء الملايين إلى قيمة اقتصادية حقيقية. تفكيك الطرق التقليدية في جذب الزوار يعني الانتقال من سياحة العدد إلى سياحة النوع، ومن منطق “الإقامة السريعة” إلى منطق “التجربة العميقة”.
20 مليون سائح ليس رقمًا مستحيلًا، بل نتيجة منطقية إذا تغيّرت زاوية النظر. تونس لا تحتاج إلى اختراع نفسها من جديد، بل إلى أن تروي نفسها بطريقة جديدة. حين يصبح الترويج نابعًا من الحياة اليومية، من الزيتون قبل الفندق، ومن القصة قبل العرض، عندها فقط يتحول السائح من زبون عابر إلى شاهد، ومن زائر إلى سفير.
لكن الأهم من الرقم هو السؤال: أي سائح نريد؟ سائح يمرّ ويغادر بأقل كلفة، أم سائح يعيش التجربة، ينفق، ويعود، ويتحول إلى سفير للبلد؟ حين تجيب تونس بوضوح عن هذا السؤال، وحين تروي نفسها بطريقة جديدة، عندها فقط تتحول السياحة من عبء موسمي إلى محرك تنموي يحمل قيمة مضافة عالية تجعل من تحصيل الكثير من الأموال أمرا روتينيا.