ماذا سيحدث بعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الوظائف؟

أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن ما يقرب من نصف البالغين في الولايات المتحدة قلقون جداً بشأن دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد.
الأربعاء 2026/08/19
ثروة في أيدي قلة

واشنطن- تثير التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي تفاؤلاً كبيراً بشأن الابتكارات في العلوم والطب وزيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي الهائل، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من أن هذه التكنولوجيا قد تقضي على ملايين الوظائف، خاصة تلك المكتبية والفكرية، وتركز الثروة في أيدي قلة.

وحذر جيفري هينتون، المعروف باسم "أب الذكاء الاصطناعي"، من أن التقنية قد تحل قريباً محل العديد من الوظائف الفكرية، بينما أصدر قادة وول ستريت مثل جيمي ديمون من جيه بي مورغان تشيس وجين فريزر من سيتي غروب تحذيرات مماثلة، وقال أليكس كارب من بالانتير تكنولوجيز إن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم عدم المساواة في الثروة.

وأظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن ما يقرب من نصف البالغين في الولايات المتحدة قلقون جداً بشأن دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد. ورغم أن الاقتصاديين مثل جوزيف شومبيتر يؤكدون أن الثورات التكنولوجية السابقة خلقت في النهاية وظائف أكثر مما دمرت، فإن القلق الحالي يكمن في أن الذكاء الاصطناعي، الذي يؤتمت العمل الفكري والجسدي معاً، قد يكسر هذا النمط.

لذا يدعو اقتصاديون وتنفيذيون في التكنولوجيا وصناع سياسات من توجهات أيديولوجية مختلفة إلى برامج تخفف أسوأ آثار نزوح العمال وتجنب رد فعل مجتمعي ضد المستفيدين الأكبر من التقنية.

وحتى الآن لم يؤثر الذكاء الاصطناعي بشكل ملموس على معدلات البطالة في معظم الدول، لكن خطر النزوح الوظيفي يطال العمال في أنحاء العالم، وقد يكون الضغط أقوى في الولايات المتحدة حيث تكون إعانات البطالة أقل سخاءً مما هي عليه في دول غنية أخرى.
ومن بين الحلول المقترحة ما يُعرف بأرباح الذكاء الاصطناعي أو توزيعات الأرباح، حيث يحصل المواطنون مباشرة على جزء من الثروة التي تولدها شركات الذكاء الاصطناعي.

ويرى المؤيدون أن التقنية تدربت على بيانات ساهم فيها الجمهور، لذا يستحق الجمهور حصة من المكاسب. ويتصور بعضهم تمويل هذه التوزيعات من خلال إعادة توزيع أرباح الشركات أو إيراداتها عبر ضريبة.

واقترح رئيس السياسات الرئاسية في كوريا الجنوبية كيم يونغ بوم "توزيعاً للمواطنين" يمول من ضرائب الذكاء الاصطناعي في منشور على وسائل التواصل، مما أثار اضطراباً في سوق الأسهم، ثم أوضح أنه يقترح الاستفادة من الإيرادات الضريبية الزائدة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وليس فرض ضرائب جديدة على الشركات. لكن الشركات الرائدة حالياً تحقق أرباحاً قليلة أو معدومة وقد تظل كذلك لسنوات حتى مع انتشار التقنية عالمياً، مما يجعل الحكومات مترددة في فرض ضرائب كبيرة على صناعة خاسرة.

في المقابل، تتمتع هذه الشركات بتقييمات هائلة، فاقترح السيناتور بيرني ساندرز بديلاً يتمثل في منح الناس حصة ملكية مباشرة في شركات مثل أنثروبيك وأوبن.إيه.آي عبر صندوق سيادي، ليتمكن المواطنون العاديون من الاستفادة من ارتفاع قيمتها. وأيدت أنثروبيك وأوبن.إيه.آي أفكاراً مشابهة، بينما قال الرئيس دونالد ترامب إن الأميركيين يمكنهم الاستفادة من نجاح الذكاء الاصطناعي عبر امتلاك الحكومة حصصاً في شركات التكنولوجيا، مشيراً إلى أن ذلك سيجعل الجمهور ثرياً جداً.

أما الدخل الأساسي المضمون فيتمثل في مدفوعات نقدية مباشرة من خزائن الحكومة للمواطنين إذا قلص الذكاء الاصطناعي عدد الوظائف.

وأعلن رئيس تايوان لاي تشينغ تي هذا الشهر خططاً لتوزيع نقدي على المقيمين المؤهلين في عام 2027، مستنداً إلى النمو الاقتصادي القوي المدفوع بالطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي، بعد توزيعات سابقة في 2025.

تاريخياً استهدفت برامج نقدية كثيرة فئات محددة مثل سكان الريف في كينيا أو العاطلين في فنلندا، ووثقت مختبرات ستانفورد للدخل الأساسي أكثر من 200 مشروع تجريبي في الولايات المتحدة وحدها، ممولة بمزيج من العمل الخيري والأموال العامة، تقدم دخلاً متواضعاً لفترة محددة لعشرات أو مئات من مجموعات مثل الأمهات العازبات أو السجناء السابقين، بعضها يغطي الاحتياجات الأساسية عموماً وبعضها يساعد في رعاية الأطفال أو التدريب الوظيفي.

وفي مارس أطلق صندوق الدخل المضمون أحد أول البرامج المخصصة للعمال النازحين بسبب الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، يقدم نحو ألف دولار شهرياً لمدة عام بالإضافة إلى تدريب على المهارات وإرشاد وظيفي لمجموعة صغيرة في مجالات مثل التقنية والتسويق.

وأصبحت جزر مارشال أول دولة تطبق دخلاً أساسياً شاملاً على مستوى وطني باستخدام عملة قائمة على البلوكتشين، بينما دعا رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ إلى برنامج مشابه أثناء حملته الانتخابية مستشهداً بنزوح الوظائف من الذكاء الاصطناعي.

وروّج إيلون ماسك للفكرة منذ عقد تقريباً كرد على الأتمتة المتزايدة، وشاعت أكثر بفضل رائد الأعمال أندرو يانغ في حملته الرئاسية الديمقراطية لعام 2020.

ويرى مؤيدو هذه البرامج أنها تقلل الفقر ويستشهدون بالمدفوعات الطارئة خلال جائحة كوفيد-19 كدليل على فعالية التحويلات النقدية، وأظهرت دراسات نشرتها أوبن ريسيرش المدعومة من سام ألتمان في 2024 أن المستفيدين أنفقوا أكثر على تلبية احتياجاتهم الأساسية ومساعدة الآخرين. حتى بعض الليبرتاريين مثل تشارلز موراي يرون أن المدفوعات النقدية تتيح للمستلمين اختيار كيفية التصرف بالمال بدلاً من الحكومة ويمكن أن تحل محل شبكة برامج الرفاه المتشابكة. لكن هذه البرامج مكلفة في التمويل، وينتقدها البعض لأنها لا تعالج الشعور بالغاية والهوية المستمد من العمل، بينما يقول نقاد محافظون إنها تبدد أموال دافعي الضرائب وتشجع على عدم العمل، كما انتقد أكبر اتحاد عمالي في فنلندا برنامج التحويلات النقدية هناك لأنه شجع الناس على العمل أقل.

بعد سنوات من الترويج للدخل الأساسي الشامل، بدأ ماسك منذ 2023 يدعو إلى "دخل عالٍ شامل" يتيح للناس الحصول على أي سلع وخدمات يريدونها، أي دخل مضمون لكنه مرتفع وليس أساسياً. لم يقدم تفاصيل كثيرة سوى القول في منشور إن الذكاء الاصطناعي سيجعل الناتج الاقتصادي ينمو أسرع من عرض النقود مما يؤدي إلى انكماش، وأن الدخل العالي الشامل المدفوع عبر شيكات حكومية فيدرالية هو أفضل طريقة للتعامل مع البطالة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

وكشف مؤسس مشارك لشركة تأمين إسرائيلية عن نموذج يصفونه بالبنية التحتية خلف حديث ماسك، يفترض أن الذكاء الاصطناعي سيواصل نمو الاقتصاد حتى مع استبدال الوظائف، مما يسمح للحكومات بتوجيه جزء من الأرباح والإيرادات الضريبية الإضافية إلى دخل مضمون للجميع، وقد يصل إلى ستين ألف دولار سنوياً دون عمل.

أما سام ألتمان، الذي روج طويلاً للدخل الأساسي ومول تجارب تحويلات نقدية كبيرة، فقد أصبح أقل اقتناعاً بقيمتها ويدعو الآن إلى "حوسبة أساسية شاملة"، حيث يحصل الناس بدلاً من المال على جزء من القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي. قال إن كل شخص يحصل على شريحة من حوسبة الجيل السابع من جي.بي.تي يمكنه استخدامها أو بيعها أو التبرع بها لأبحاث السرطان، فيمتلك جزءاً من الإنتاجية.

لكنه يبقى غامضاً بشأن التفاصيل العملية، مثل ما إذا كان الناس أو المؤسسات العامة كالمدارس سيحصلون على أرصدة قابلة للتحويل تمثل كمية من القدرة الحاسوبية أو شكلاً آخر من المطالبة بالإنتاجية المولدة بالذكاء الاصطناعي.

وإلى جانب هذه الأفكار، أسست وزيرة التجارة الأميركية السابقة جينا رايموندو وحاكم إنديانا السابق إريك هولكومب في يونيو مجموعة رايز يو إس تركز على مساعدة العمال الأميركيين على التكيف مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وتسعى لجمع مليار دولار لإنشاء نسخ تجريبية من برامج إعادة التدريب وإعادة التوظيف.

كما اقترح مشرعون في عدة ولايات تشريعات لمعالجة آثار فقدان الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ففي كاليفورنيا قدم ديمقراطيون مشروع قانون يلزم أصحاب العمل بإخطار الولاية بالتسريحات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي أو التقنيات الآلية الأخرى، وفي نيويورك يقترح مشروع قانون إنشاء برنامج تأمين على الأجور يوفر دخلاً مؤقتاً للعمال النازحين الذين ينتقلون إلى وظائف برواتب أقل، وفي كارولينا الشمالية قدم مشرعون مشروعاً لإنشاء برنامج وصندوق لدعم العمال النازحين عبر التعليم والتدريب.