ليبيا… والفشل الأممي الذريع في حلحلة النزاع
في إحاطتها الجديدة أمام مجلس الأمن، تحدثت رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه عن احتضان طرابلس جولتين من المداولات لكل مسار من مسارات الحوار المهيكل، وهي: الاقتصاد، الحوكمة، الأمن، المصالحة الوطنية، وحقوق الإنسان. حيث كان هناك اتفاق على الحاجة الملحّة لحل الانسداد السياسي وإجراء إصلاحات في الحكم. ومن ذلك أن مساري الحوكمة والأمن ركّزا على الخروج بتوصيات تكفل تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية، فيما شدد المسار الاقتصادي على ضرورة معالجة الإسراف في الإنفاق، وفي الوقت نفسه البحث في الخيارات الكفيلة بزيادة إيرادات الدولة من خلال التنوع الاقتصادي وتعزيز إدارة المالية العامة. ودعا مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان إلى النأي بالقضاء عن التجاذبات والاستقطاب السياسي، وذلك حفاظًا على وحدة القضاء واستقلاليته. وأثبت تجمع النساء أيضًا أنه آلية ناجعة للنهوض بالمشاركة الحقيقية للنساء في الحوار المهيكل.
أبرزت تيتيه أن البعثة يسّرت أيضًا اجتماعات بين مسار الحوكمة ومسار الاقتصاد ضمن الحوار المهيكل ومجموعات العمل ذات الصلة المنبثقة عن مسار برلين، كي يتسنى لليبيين التعبير عن أولوياتهم بشكل مباشر وتبادل الرؤى بشأن الدعم الدولي اللازم للوقوف على الإصلاحات الكفيلة بتعزيز الحوكمة.
لا أدري إلى أي حد يتسع مجال التفاؤل لدى ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، وهي تعلم أن حوارها المهيكل ينعقد على هامش الأزمة، وأن خارطة الطريق باتت جزءًا من الماضي، لاسيما وأن الفرقاء الأساسيين في المشهد الليبي متفقون على تمييع المبادرة وتحويلها إلى حدث هامشي لا معنى له، كما حدث في مبادرات سابقة. وهم لا ينتظرون من السيدة تيتيه سوى أن تجلس على كراسي عقلها لتخرج بقرار الاستقالة، كما فعل من قبلها اللبناني غسان سلامة، والأميركية ستيفاني ويليامز، والسلوفاكي يان كوبيش، والسنغالي عبدالله باتيلي.
النظام القضائي الليبي الذي ظل على مدى التاريخ موحدًا إلى حد كبير رغم التحديات السياسية المطولة يشهد الآن انقسامًا متزايدًا، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد
أعربت تيتيه عن أسفها لعدم إحراز أي تقدم حقيقي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في إنجاز الخطوتين الأوليين ضمن خارطة الطريق، على الرغم من الجهود التي بذلتها البعثة. وكان عليها أن تدرك أن المجلسين لن يتفقا، وإذا حصل واتفقا فسيتم تفجيرهما من الداخل، كما حدث في المجلس الأعلى للدولة عندما جرى تجيير إمكانيات مهمة للإطاحة بالرئيس السابق خالد المشري بسبب اتفاقه مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على مشروع للحل السياسي وتهيئة الظروف لتنظيم الانتخابات، على أن تكون البداية بتشكيل حكومة وطنية موحدة على أنقاض الحكومتين الحاليتين في طرابلس وبنغازي.
رئيسة البعثة أعادت التذكير بأن المجلسين توصلا إلى توافق بشأن وضع آلية لاختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في موعد أقصاه 11 كانون الأول – ديسمبر، غير أن هذا الاتفاق لم يُنفّذ كما هو منصوص عليه، وجرى لاحقًا اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، أولًا من جانب مجلس النواب ثم من قبل المجلس الأعلى للدولة، مما زاد من تعقيد الوضع الذي أصبح يهدد في الوقت الراهن وحدة المفوضية. كما ذكرت البعثة أيضًا أنها ستستمر في العمل مع الأعضاء الأربعة في مجلس إدارة المفوضية لحين التوصل إلى اتفاق بالخصوص، وأشارت إلى أن تعديل الإطار الانتخابي والقانوني لا يزال معطّلًا.
كان على السيدة تيتيه أن تنتبه إلى أن السبب الحقيقي للخلاف هو أن مركز القرار في طرابلس يرفض تنظيم انتخابات تسمح للماريشال خليفة حفتر بالترشح فيها لمنصب رئيس الدولة. وهذا أمر يتفق عليه تيار الإسلام السياسي وأمراء الحرب وقادة الميليشيات ومن يعتبرون أنفسهم صقور فبراير وأتباع رئيس دار الإفتاء صادق الغرياني، الرافض للانتخابات والمصالحة والحل السياسي وتوحيد المؤسسات، والذي لا يتردد في تكفير كل من يختلف معه في الرأي والموقف.
تتوصل رئيسة البعثة إلى استنتاج يفيد بأن “على الرغم من تواصل البعثة المستمر مع المجلسين، إلا أن عدم قدرتهما على استخدام الآلية المتفق عليها والإجراءات الأحادية اللاحقة قد أدى إلى تبدد مصداقيتهما بشكل أكبر، الأمر الذي يؤكد تصوّرات الشعب الليبي بأنهما غير قادرين أو غير راغبين في العمل مع بعضهما البعض من أجل إتمام المهمتين الأوليتين ضمن خارطة الطريق”. وتسترجع فحوى إحاطتها في شهر آب – أغسطس الماضي، عندما كان تقديرها أنه من المفترض تشكيل مجموعة مصغرة تعكف على إنجاز المهمتين الأوليتين في خارطة الطريق نظرًا لأهميتهما لإنجاز الانتخابات.
كان على السيدة تيتيه أن تنتبه إلى أن السبب الحقيقي للخلاف هو أن مركز القرار في طرابلس يرفض تنظيم انتخابات تسمح للماريشال خليفة حفتر بالترشح فيها لمنصب رئيس الدولة
وفي حال عدم توصل هذه المجموعة إلى اتفاق، سيكون من الضروري توسيع الدائرة على نحو يمكّن من تنفيذ خارطة الطريق. ولدينا الفرصة للاستفادة من الوسائل التي تتيحها الاتفاقات الليبية القائمة، وذلك لكسر الجمود الذي طال أمده، على أن تُنجز خلال شهرين كحد أقصى مع توافر الإرادة السياسية اللازمة. ولكن بعد مرور ستة أشهر، لا تزال الحقائق تتحدث عن نفسها، وليس بوسع البعثة انتظارهما إلى ما لا نهاية.
وبمشاعر يطغى عليها الإحساس بالعجز، أشارت المبعوثة الأممية إلى أن الوضع في ليبيا يتدهور على العديد من الأصعدة. فالنظام القضائي الليبي، الذي ظل على مدى التاريخ موحدًا إلى حد كبير رغم التحديات السياسية المطولة، حيث ظلت المحكمة العليا في طرابلس، بما في ذلك دائرتها الدستورية، تمثل أعلى جهة قضائية دستورية، يشهد الآن انقسامًا متزايدًا، مما يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد. وبعد توصيف للواقع وجرد لقرارات قضائية متناقضة ومتوازية، تقرّ بأن تلك الإجراءات تعرض وحدة النظامين القانوني والقضائي للخطر، وتضعف إقامة العدل في ليبيا بتعطيل الآلية الأخيرة لضمان مساءلة الجهات الفاعلة في الحكم. وفي نهاية المطاف، ستعرقل أيضًا العملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة.
ومن معالم الخطر المحدق أن الأنظمة القانونية المتضاربة التي ستنشأ ستؤثر على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان. تؤكد السيدة تيتيه أنه الخط الأحمر الذي يمكن، إن جرى تجاوزه، أن يقوض وحدة الدولة. ما لم تقله هو أن البلاد مقبلة على تفاقم حالة الانقسام بما يحقق تطلعات طرفي النزاع وسلطتي الأمر الواقع في طرابلس وبنغازي.
هناك ملاحظة أخيرة تتعلق بموقف البعثة من اغتيال سيف الإسلام القذافي بمنطقة الزنتان في الثالث من شباط – فبراير الجاري، حيث تجاهلت دوره السياسي كزعيم لتيار فاعل ومشارك في الحوار المهيكل ومفاوضات المصالحة، وتوقفت فقط عند وضعه القانوني كملاحق بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وعند حصول الاغتيال في ظروف غامضة.
بعد خمسة عشر عامًا من اندفاع الأمم المتحدة إلى شرعنة التدخل الخارجي في ليبيا بالاعتماد على تقارير صحفية مضللة، لا يزال الوضع على ما هو عليه من غموض الموقف وضبابية المشهد. اليوم هناك ما هو أسوأ، وهو وجود 30 في المئة من الليبيين تحت خط الفقر، وانهيار العملة المحلية بشكل غير مسبوق منذ تأسيس الدولة الوطنية قبل 75 عامًا، واستمرار تعرض البلاد لأكبر عملية نهب في تاريخها، مع نذر حقيقية بإمكانية تحول حالة الانقسام السياسي إلى واقع يشمل كافة المجالات والمؤسسات ويهيئ ليبيا للعودة إلى ما قبل ظهور كيانها الفيدرالي في عام 1951.